.. عن السّجون والكتابة وفائض المعنى
رغم أنّ "أنيسة" تعتبرُ قراءة روايةٍ مرتين ضرباً من العبث. لكنّني، أحياناً، أحسُّ رغبةً مُلحّة بإعادة قراءة روايةٍ ما؛ ذاكَ أنّ ثمّة (أشخاصاً) لا يتكرّرون، ويجدُرُ بنا أن نذهبَ لتفقّدهم كلّما أصبحتْ موحشةً الإقامةُ في المؤقّت: الحياة، مثل أخيها "رجب إسماعيل"، الذي زُرتُهُ ثلاثَ مرّاتٍ خلال أقلَّ من عامين، حيثُ يستقرُّ أبداً "شرقَ المتوسّط" ولا يستريحُ في قبره، وفي كلّ مرّةٍ، مثلَ مُنقِّبٍ، أعثرُ أو أخترعُ "فائض معنى" جديد، وأملأ البياضات بالتّشابه والتفكير والقياس.
شتاء (2023)، رام الله
في مقهى يبعدُ نحو عشرين دقيقة عن بوابة سجن عوفر الاحتلاليّ (غرب رام الله)، ذهبتُ لتفقُّد رجب إسماعيل حينَ كانَ يحاولُ النّوم على درجاتِ القبو، وحيثُ أمّه كانت تدورُ من سجنٍ إلى آخر بحثاً عنه. وكنتُ أعيدُ في رأسي مشاهدَ صباحيّة من ذلك اليوم، وهي مشاهِدُ، ليسَ لأنّني شاهدتُها فقط؛ بل لأنّني وشمتُها في رأسي، ثمّ كتبتُها في رأسي، أمّا هذا فهو "إعادة كتابةٍ" يشبهُ ترجمةً من نوعٍ ما.
في السّاحة المغلقة المخصّصة لانتظار أهالي الأسرى، كانَ يتكوّم الجميع بانتظار أن يُنادى عليهم ليروا أقاربهم الأسرى دقيقةً أو أقلّ قليلاً، بعد أنْ اجتازوا (اجتَزْنا) سِتّ "معّاطاتْ" دائريّة، وثلاثةَ أبواب، وماكينتي تفتيش، وتفتيشاً يدويّاً مُذِلاً. و"المعّاطة" مصطلحٌ فلسطينيٌّ يطلقُ على البوّابة الدائريّة التي تسمح بمرورٍ شخصٍ واحدٍ فقط، والتي يستخدمها الاحتلال في نقاط العبور والتفتيش والجسور ومداخِل السّجون، وفي البدءِ، هي اسمٌ للآلةِ التي تقتلعُ ريشَ الدّجاج بعدَ ذبحه، ما هذه الكناية؟، هل للفلسطينيِّ ريش؟ فكرتُ، ربّما.. هل هو ريشُ دجاجٍ أم طواويس؟ لا أعرف. ما أعرفه أنّ الفلسطينيّ "يسقُطُ وجهُهُ" في هذه الرّحلة الطّويلة، وأستعيرُ من وصفِ سفر التّكوين وجهَ قايين/ قابيل، دونَ استعارة الشَّبَه.
بعدَ أن تجمّع الكُلّ في السّاحة المُغلقة، و"الاجتماعُ حدثٌ موقوتٌ بينَ تَشَتُّتين" يقول عبد الفتّاح كيليطو. نادى مجنّد الاحتلال في السّماعة قبل أن ندْخُل: "كالعادة الهويّة والدخان والمصاري بس والباقي يضل برّة، لا تلفون لا ورقة لا قلم"، تسأل سيّدة بصوت مرتفع: "التّلفون فهمنا، شو دخل الورقة والقلم؟"، لا يجيبها أحد بالضّرورة. الأشياءُ هناكَ، ... بلا إجابات.
في السّاحة نفسِها أنتَ خارج الوقت، واكتشفتُ أنّ الناس تخلّوا حتّى عن ساعة اليد، إذْ تركوها لا إراديًا في الخارج، وحدي كنتُ الوقتَ تلك السّاعة، (هذه مبالغة سخيفة).. لكنّ الجملة كانت سقطت في رأسي وأنا أذرع السّاحة. ولأنّني كنتُ أحملُ ساعة يدي، يسألني شخصٌ ما كل دقيقتين تقريبًا: "كَم صارت السّاعة؟"، وكلُّ دقيقتينِ؛ لأنّ الوقت ثقيلٌ في الانتظار، ولأنّنا حرفيًا لسنا خارج الوقت فقط بل خارج الزّمان والمكان أيضاً، في مكانٍ مُفرغٍ محاطٍ بالزُّجاج العازل، وفي آخِرِه "معّاطةٌ" أخرى تدخِلك إلى غُرف المحاكمات، وكانَ شتاءُ رام الله يسقط على رؤوسنا فيخلّف خطوطاً في الوجه كأنّها بكاء.
عندما كنتُ خارجاً.. تسألني سيّدة: "كيفَ سنعرفُ السّاعة الآن؟"، خلعتُ ساعتي دون أن أنطِق وأعطيتُها لها، فلم تقبَل أخذَها أبداً.. واكتَفَت بالنّظر العميقِ إليها كأنّها تتأمّلها. في السّاحةِ نفسِها، يتبادَلُ النّاس قِصَصهم، وخِبراتَهم حول المحامين والسّجون والجُنون أيضاً. في تلكَ المنطقة المعزولة عن العالَم، أمّهات وآباء وإخوة وأخوات وأصدقاء، يحرّكون أقدامهم بعنفٍ وتوتُّرٍ وترقُّب، وفي الهدوءِ الصّعب، يسألُ مُسِنٌ بصوتٍ مرتفع: "هوّا مطوّل الاحتلال؟". يصمت النّاسُ تماماً؛ لأنّ مساحة الخٌذلان توسّعت.. ولأنّ المرحلة مهزومةٌ جداً، ولأنّ الفلسطينيّ العاجِز أصبحَ يُحسُّ أنّه مهزومٌ مِن الدّاخِل، رغمَ ما فيه من جسارة المواصلة الجبّارة.
الخُروج من كمِّ البوابات، والطّريق الطويل المحاطِ بالمكعّبات الإسمنتيّة، حتّى البوابة الخارجيّة، يجعلُكَ تفكّر في مستوياتِ هذا السِّجن الكبير. يعيشُ الفلسطينيُّ في طبقاتٍ من السّجون، هذا يُذكّر بفيلم "The Platform" الإسبانيّ، وبمشهدٍ من مسلسل "عودة غوّار" حينَ افتتح "أبو عنتر" سجنًا داخل القاووش. ورغمَ هذا كلّه، فإنّ الفلسطينيّ يعيشُ استعراضًا كبيراً.. وتمسْرُحاً عامّاً.. يغلّفه ويُغذيهِ الوهم/ الرّيش.
صيف (2024)، الدار البيضاء
كنتُ أستعدّ لإدارة حوارِ شيّق مع صاحبِ "كان وأخواتها"، الروائيّ المغربيّ عبد القادر الشّاوي. وكنتُ أقارنُ بين مقاربته لفعل الكتابة داخل السّجن: "التقَطَ ضرورةَ الكتابةِ فكَتَب"، وبين مقاربة عبد الرحمن منيف وبطلُه رجب الذي يحلُمُ بالكتابة؛ فلأجلها وقّع ورقة خروجه، ورأى فيها "كفّارة" من نوعٍ ما. ومن هذه النقطة قلتُ ربما أفتتح الحوارَ بنقاشِ "مسؤوليّة الكتابة"، مستعيناً بجملةٍ من رسالة لدرويش إلى سميح القاسم: "نحنُ مسؤولون بما يعنيه الشّعر عن طلوع القمر على قصور القَتَلة". وبالفعل كانَ حواراً طويلاً وشيّقاً حول السّجن و"التخييل الذاتيّ" والاستذكار والمسافة والكتابة، وكانَ ظلّ عالقاً في رأسي سؤال أحدِ الحضور حين فتحنا باب الأسئلة: "كيفَ تقدّم الكتابة وعداً بالحريّة؟".
بكل الأحوال؛ كانت المقاربة في رأسي هي ما يلي: بطلُ الشّاوي (الذي من غرب المتوسّط) السّيدُ "شين" كان وهو على "أفرشة الزّنزانة الرّطبة" يفكر مليًا في تقديم شهادة شخصيّة حول ظروف اعتقاله الشّديد، وكانَ يخضعُ التّجربة كلّها للنقد وإعادة التفكير خوفاً من أن يَعتقله الاعتقال، أو تطول المسافة الزّمنيّة فتُتلفَ في الذاكرة الوقائعُ، وكانَ "وحيداً ومتروكاً" حينَ افترقَ مع المرأة على الجراح، وكان السّجن "حومةً" من الذكريات، حينَ أرادَ كتابتها كلّها معاً، وكانَ "شين" انتبه كيفَ يصبحُ الإنسانُ "رقماً بين الأرقام".
وهذا ما كانَ يريدُ فعله رجب إسماعيل، رجب الذي خافَ أنْ يحملَ الإنسانُ سجنَهُ معه، ورجب الذي توارت وانتهت اللحظاتُ في رأسه، ورجب الذي افترقت عنه المرأةُ على الجراحِ أيضًا، والذي كانَ يريدُ السّفر إلى جنيف لتقديم شهادته حول ما لا يعرفه العالم عن السّجون، والذي أرسلَ للصّليب الأحمر يشرحُ ظروف اعتقاله وكان يأمل: "سنهدم السّجون بأيدينا"، والذي افتتن بآلاف الكتب التي على ضفّة نهر السّين، والتي لو جاء بها الباريسيون "إلى شاطئ المتوسط لقضوا حياتهم في السّجن".
وكنتُ أفكّر في كلّ هذا معًا عبرَ السّجن الكبير الذي يسمّى: غزّة، حيثُ تتفرّج جنيف وباريس والعالم "المتحضِّر" برمّته على شتّى أصناف القتل والتعذيب عبرَ البثّ المباشر، وحيثُ الشّهادات الشّخصيّة معلنةً، ولم تعُد تعني شيئاً، وأتذكّر الشّهيد رفعت العرعير وأفكّر "هل يمكن تصنيف الأدب الفلسطينيّ برمّته أدبَ سجون؟"، وحيثُ الإنسانُ أصبحَ رقماً تماماً يا "شين"، رقمٌ تماماً.. بل و"يشكِّكُ" العالم فيه، رقمٌ في حياتِهِ بسجنِ "الطّوابير": غزّة.. طوابيرُ على الخبز والغاز والوقود والعلاج والتّنفس حتّى، وطوابيرُ كأنّها واقفة أو جالسة في انتظار الموت. ورقمٌ في مماتِهِ مسجّى في طوابير من الشّهداء المنتظرينَ تكفينِهم أو دفنَهم.. إن حالفه "الحظّ" أصلاً بجسدٍ كاملٍ أو بخروجٍ "سريع" من تحتِ الرّكام والرّدم. ورقمٌ أيضاً في سجونِ الاحتلال، وفي سجلاتِ النازِحين، وفي كلّ شيء.
خريف (2024)، الرّباط
في زاويةِ الغرفة التي يتسّرب إليها شقّ رفيع من ضوء الشارع، أعيدُ قراءةَ "شرقِ المتوسط" للمرّة الثالثة، حيثُ كانَ يمكنُ سماعُهُ، مِن هُنا قُرب الأطلسيّ، طرقُ جنود الاحتلال بابَ منزلِ العائلة في بيت لحم (جنوب الضفة الغربيّة)، وحيثُ ما زالَ حتّى هذا الوقت، يا رجب، يُعتقلُ الإنسانُ من منزله ويُقاد إلى جهةٍ غير معلومة، ليُسجنَ دون إبداء أسباب، ولتبدأ رحلةُ البحثِ عنه في سجونٍ فاضت بالفلسطينيين، وكتبت نصوصها الطّويلة والقاسية في لحمِهم بُغية تطويعه.
استشهاد 490 طفلاً خلال 20 يوماً في غزة
مصر:أوهام القوة لن تساعد إسرائيل على تحقيق الأمن
كاتس يُبرز وثيقة للسنوار تُثبت تورّط إيران بهجمات 7 أكتوبر
50 دولة تتواصل مع البيت الأبيض لبدء مفاوضات تجارية
الذكاء الاصطناعي يحدث تحولاً في العلاقات الرومانسية
7 مرشحين لمركز نقيب المحامين و49 لعضوية المجلس
تحذيرات من رياح شديدة وغبار في المفرق ومناطق أخرى
مايكروسوفت تقدم مساعدًا ذكياً لتحسين العمل بالمصانع
تربية جرش تبحث الاستعدادات النهائية لاختبار بيزا الدولي
حسان:جهود الحكومة وفّرت 40 مليون دولار سنوياً
هجوم مسيّرات الدعم السريع يوقع قتلى شمال السودان
هل دفعت السعودية 1.6 مليار ريال كفارة عن إفطار خاطئ
للأردنيين .. تنويه هام بخصوص دوام الخميس
احتراق مركبة في منطقة عبدون بالعاصمة عمان
بينها الأردن .. السعودية تقيّد إصدار التأشيرات لـ14 دولة
محل أحذية في مادبا:أسعارنا أرخص من إيدي كوهين
الحرس الثوري الإيراني يحتجز ناقلتي نفط أجنبيتين بتهمة تهريب الوقود
فيصل القاسم: الأسد كان محقًا وتصريحه صائب ..
بسبب الاشتعال المفاجئ .. تحذير لأصحاب سيارات فورد
تحديد تعرفة بند فرق أسعار الوقود لشهر نيسان
الحالة الجوية المتوقعة للأيام الثلاثة القادمة
موجة خماسينية تضرب المملكة بهذا الموعد .. تفاصيل
التسعيرة المسائية للذهب في الأردن .. تفاصيل
فاجعة عشية ليلة العيد .. 3 وفيات من عائلة واحدة بحادث سير مروع