كيف تأجّل الموعدُ مع التاريخ

mainThumb

06-04-2025 02:58 AM

المواعيد التي تضرب للساسة والقادة مع التاريخ ليست أمراً مستحدثاً. وهي على تنوّعها وتعدّدها غير قابلة للتحقق إلا نادراً. والسببُ، لأن للتاريخ مساراته الخاصة وحساباته المعقّدة. إذ لو تحقق نصف، وليس كل المواعيد المضروبة مع التاريخ، لما كان العالمُ الذي نعيش فيه على وضعه الحالي.

وفي السياسة يدخل الموعد مع التاريخ تحت بند الأحلام. وأهلُ السياسة، مثلُ كل الناس، من حقهم الحلم، والتصريحُ بأحلامهم. تحققُ تلك الأحلام من عدمها أمرٌ آخر، تتداخل فيه أشياء كثيرة خارج نطاق السيطرة. ولعل الموعد المضروب مع التاريخ للفرنسية مارين لوبان، مثال على ذلك.

العنوانُ أعلاه يُحيلُ مباشرةً إلى حدثٍ قضائي فرنسي تاريخي، بنتائج سياسية لا أحدَ قادرٌ على التكهّن بمساراتها وانعكاساتها، ليس فقط في فرنسا، بل ربما في الساحة الأوروبية. في مركز الحدث تتموضعُ مارين لوبان رئيسة التجمع الوطني، وهو حزب يُصنّف تحت خانة اليمين المتشدد. حيث قضت محكمة فرنسية، يوم الاثنين الماضي، بإدانتها بتهمة اختلاس مبلغ 4 ملايين يورو من أموال الاتحاد الأوروبي، بإنفاقها في غير الأوجه المخصصة لها. السيدة لوبان كانت المتّهم الأول على رأس قائمة من المتّهمين ضمت 24 اسماً. وتولّت أجهزةُ النيابة، في فرنسا وبلجيكا، التحقيق في القضية منذ عام 2009. حُكمُ المحكمة قضى بسجنها مدّة أربع سنوات، وتغريمها 100 ألف يورو، وإيقافها فورياً عن العمل السياسي لمدة خمس سنوات! مارين لوبان لن تدخل السجن، وستقضي نصف العقوبة في بيتها، والنصف الآخر تحت المراقبة الدائمة، مثلما حدث مع الرئيس السابق نيكولا ساركوزي.

حُكمُ المحكمة عدّه أنصارها تدخّلاً قضائياً بدافع سياسي أدّى إلى تأجيل موعدها المرتقب مع التاريخ في عام 2027، موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية، حيث ترجح استبيانات الرأي العام فوزها بالرئاسة، ووصول اليمين المتشدد إلى السلطة.

الحدث الدرامي الفرنسي جاء بعد أيام قلائل من حدثٍ مشابه في تركيا، لدى قيام السلطات التركية يوم 23 مارس (آذار) باعتقال وسجن أكرم إمام أوغلو عمدة مدينة إسطنبول المنتخب، والمرشح عن الحزب الجمهوري للرئاسة، بتهم فساد عديدة، من ضمنها تزويره شهادته الجامعية، بعد مرور 31 سنة على تخرّجه وصدورها! التقارير الإعلامية، على اختلافها، تشير إلى دوافع سياسية وراء الاعتقال والسجن. الهدف: حرمانه من الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2028.

قبل ذلك، تابعنا عبر وسائل الإعلام حدثاً مشابهاً في رومانيا، حيث أُبعدَ مرشح رئاسي يُصنّف تحت خانة اليمين المتشدد. حدث ذلك بعد تجاوزه بنجاح المرحلة الأولى من الانتخابات. المحكمة الدستورية في بوخارست أصدرت حكماً بمنعه من دخول المرحلة الثانية والأخيرة. الدوافع السياسية وراء الحكم حظيت بنصيب كبير في التقارير الإعلامية الدولية. قيل إن الهدف هو حرمانه من الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة.

قبل ذلك، تابعنا حدثاً أكثر درامية في أميركا، ممثلاً في اتهام دونالد ترمب مرشح الرئاسة عن الحزب الجمهوري، وشاهدناه يمثلُ بشحمه ولحمه أمام القضاء في قاعة محكمة بنيويورك. القضية تلك كانت واحدة من ملف يحتوي قضايا ودعاوى عديدة مرفوعة ضده. لكن المرشح ترمب، بضربة حظ غير مسبوقة، تجاوز كل الموانع في الطريق. ودخل الانتخابات، ونجح في الوصول إلى موعده مع التاريخ، ويقلب الدنيا.

المفارقة أن الحكم القضائي ضد مارين لوبان وضع القضاء الفرنسي في قفص الاتهام. قادةُ اليمين المتشدد في فرنسا وخارجها نسبوا الحكم القضائي لدوافع سياسية، هدفها إبعاد اليمين المتشدد من الوصول للسلطة.

التقارير الإعلامية، في فرنسا وخارجها، تتفق على أن الحدثَ جللٌ، كونه يمنع مارين لوبان من ممارسة العمل السياسي فورياً. الحكمُ، لسوءِ حظّها، صدر في وقت تبدّلت فيه حظوظها الانتخابية، واقتربت من تحقيق ما وُصف بـ«الموعد مع التاريخ» بعد النجاح الذي تحقّق لحزبها في الانتخابات التشريعية الماضية، وحصوله على أكبر عدد من المقاعد البرلمانية، مقابل تراجع شعبية الرئيس ماكرون وحزبه.

الحُكمُ القضائي ضدها قابل للاستئناف. وهو حُكمٌ تؤكد التقارير الإعلامية أنّه لا يفتقر مطلقاً إلى الأدلة الجنائية. السلطات القضائية الفرنسية ذكرت أنه سينتهي النظر فيه في صيف عام 2026. وهذا يعني احتمال أن يُنقض. وبذلك يصير من الممكن نجاحها في الانتخابات، ودخولها ظافرة إلى قصر الإليزيه في عام 2027، وتبدأ فرنسا مرحلة سياسية تاريخية جديدة، تحت قيادة اليمين المتشدد. وقد يتدخل سوءُ الحظ ثانية ضدها، ويتلاشى الموعد مع التاريخ، وينطبق عليها المثلُ القائلُ: طارَ الحمامُ فصفّقي يا وزة.






تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد