569 شهادة تعذيب في مصر خلال 8 سنوات

mainThumb
صورة تعبيرية

03-04-2025 09:46 PM

السوسنة- أكدت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان في تقريرها، بعنوان "لا تراجع عن التعذيب في مصر"، أن عمليات التعذيب ضد السجناء السياسيين ما زالت مستمرة في البلاد. استعرض التقرير 569 شهادة تعذيب في مرحلة ما قبل المحاكمة بين عامي 2013 و2021، مشيرًا إلى عدم توقف هذه الممارسات رغم الالتزامات الدولية والتوصيات السابقة.

يركز التقرير على تحليل شهادات الضحايا لتسليط الضوء على أنماط التعذيب المتبعة، وانتشارها، وآثارها القانونية والإنسانية، في ظل غياب أي إجراءات فعالة لمحاسبة المسؤولين عنها. يغطي التقرير حالات تعذيب موثقة على مدى ثماني سنوات في 12 قضية تحقيق رسمية تشمل مئات المعتقلين الذين تعرضوا لانتهاكات جسيمة دون محاسبة أو تعويض.



تعذيب ممنهج

وفي يونيو/ حزيران 2017، نشرت لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة، نتائج تحقيقها عن التعذيب في مصر، وتوصلت الى أن قوات الأمن في مصر تستخدم التعذيب بشكل منهجي.
وقدمت اللجنة توصيات عاجلة إلى مصر، بما في ذلك وضع حد فوري لممارسة التعذيب وسوء المعاملة في جميع أماكن الاحتجاز، وضمان قيام المسؤولين على أعلى مستوى بإدانة التعذيب وسوء المعاملة من قبل وكلاء الدولة علناً، واعتماد سياسة عدم التسامح مطلقاً؛ وملاحقة مرتكبي التعذيب، بمن في ذلك أولئك الذين لديهم مسؤولية قيادية أو عليا.

ملف شائك

ووفق التقرير، بعد مُضي سبع سنوات على هذه التوصيات، ما زال ملف التعذيب في مصر من الملفات الشائكة التي لا تتوافر أي دلائل على تحسينات أو إصلاحات هيكلية فيه أو علاج بقايا هذا الملف القديمة، والتي ما زالت آثارها ممتدة حتى تاريخه.
في ظل هذا الواقع، سعى التقرير لرسم صورة مكثفة عن ممارسات التعذيب في مصر والتي أدت إلى جملة من الانتهاكات البالغة لحقوق الإنسان وحقوق المحاكمة وأضرت بسير العدالة من خلال تحليل أوراق عدد من القضايا التي مورست فيها أساليب التعذيب وامتهان الكرامة والمعاملة القاسية على نطاق واسع دون مساءلة أو مراجعة جادة من السلطات المصرية توافقا مع التزاماتها الدولية، أو تعويض للضحايا أو تقديم العون الطبي لهم.
واعتمد التقرير على استقراء وتحليل أوراق تحقيقات 12 قضية لاستخلاص شكايات وأقوال المتهمين فيها حول ما تعرضوا له من انتهاكات تعذيب ومعاملة قاسية، وكيفية استجابة السلطات الرسمية والقضائية لهذه الشكاوى، ومحاولة إنصاف الضحايا.

تقرير حقوقي تحدث عن الفترة من 2013 إلى 2021… واستند لتحقيقات رسمية في 12 قضية

وفي ظل شمول هذه القضايا لمئات من المتهمين، استند التقرير في معلوماته على شهادات 569 محتجزا فقط لجهات التحقيق والنيابة، وهم من وقع القبض عليهم بالفعل من المتهمين على ذمة هذه القضايا، وجرى التحقيق معهم. وتشمل هذه الأوراق كلا من محاضر التحقيقات ومحاضر وجلسات تجديد الحبس، والتي استمرت في حالة البعض منهم لسنوات. ويغلب على هذه القضايا كونها قضايا عنف سياسي بواقع 10 قضايا باشرت التحقيقات فيها نيابة أمن الدولة العليا، والنيابات العسكرية، وحكمت في بعضها محاكم مدنية وأخرى عسكرية، تبعا للتقرير.

من المسؤول؟

ويمارس التعذيب في مصر بشكل ممنهج، استناداً إلى مئات الأدلة والشهادات التي تُسلط الضوء على انتشار هذه الممارسات والمعاناة الجسدية والنفسية التي يكابدها الضحايا، حسب التقرير، الذي بين أن أعضاء قطاع الأمن الوطني وضباط الشرطة يتحملون المسؤولية المباشرة عن هذه الانتهاكات، إلى جانب تورط عناصر من المخابرات العامة والعسكرية والنيابة العامة، وبالأخص نيابة أمن الدولة، كما تتحمل النيابة العامة مسؤولية كبيرة بسبب تقاعسها عن التحقيق في ادعاءات التعذيب التي يثيرها المتهمون أثناء جلسات التحقيق والتجديد، واعتمادها على الاعترافات المنتزعة تحت الإكراه كأدلة إدانة.
كما أظهرت الأوراق أن التعذيب لا يقتصر على مرحلة معينة، بل قد يتعرض له المحتجز طوال فترة احتجازه، بما في ذلك داخل السجون الرسمية وأقسام الشرطة. وقد يؤدي ذلك إلى آثار جسدية دائمة يصعب علاجها، حيث يعاني عدد غير قليل من المتهمين من إصابات مستديمة نتيجة التعذيب الوحشي الذي تعرضوا له على أيدي ضباط أمن الدولة. كما تُوفي العديد من المعتقلين السياسيين نتيجة التعذيب، مثل الاقتصادي المصري أيمن هدهود، الذي تحيط بوفاته شكوك قوية حول ارتباطها بالتعذيب الوحشي من قبل ضباط الأمن الوطني بعد اعتقاله. ورغم ذلك، لم تفتح النيابة العامة تحقيقاً مستقلاً وفعّالاً لكشف ملابسات وفاته.
ويشير التقرير كذلك إلى الغياب الفعّال لدور النيابة العامة في تقديم المسؤولين عن التعذيب إلى العدالة ومحاسبتهم وفقاً للقانون، مما يقوض الثقة في النظام القضائي ويعزز ثقافة الإفلات من العقاب.

نمط أساسي

وحسب التقرير، تتسم ممارسة التعذيب في مصر بمنهجيتها وهيكليتها حيث تعد نمطا أساسيا في ممارسة السلطات الأمنية لعملها في مصر.
وبالنظر للقضايا الذي تناولها التقرير، فقد اتسم أغلب هذه القضايا بتعدد الأجهزة المسؤولة عنها في مختلف مراحلها، خاصة مع طول فترات نظرها، والتقاضي، والحبس للمتهمين، التي وصلت في حالة البعض لثلاث وأربع وخمس سنوات.

يتعرّض المتهمون في قضايا العنف السياسي للتعذيب الأكثر عنفاً وقسوة

وشهدت هذه القضايا مسؤولية كل من جهاز الأمن الوطني، والمخابرات العامة، وبعض الأفرع التابعة للمؤسسة العسكرية، ومعسكرات القوات المسلحة، وقوات الشرطة العادية عن مهام القبض والتحقيق والاحتجاز، وفق التقرير، الذي أرجع هذا التداخل من جانب أجهزة مختلفة في هذه القضايا إلى طبيعة هذه القضايا، التي تتنوع بين عنف سياسي، واتهامات بالتخابر، وتمويل مؤسسة حقوقية، ونشر أخبار كاذبة، وهي الأجهزة التي أشار لها المتهمون بأصابع الاتهام، كذلك إزاء وقائع التعذيب والمعاملة القاسية والمهينة التي لقوها أثناء احتجازهم طوال هذه السنوات. وكشفت أقوال واتهامات الضحايا كذلك عن أماكن أخرى جرت فيها وقائع التعذيب مثل مقرات النيابة العسكرية، والشرطة العسكرية، والسجون، ونيابات أمن الدولة العليا، كما امتد التعذيب ليقع عليهم داخل نيابة أمن الدولة العليا من قبل الحرس المكلف بتأمين النيابة وبناء على أوامر من ضباط الأمن الوطني. وُتُعد مقرات النيابات بتنوعها هي الأكثر فجاجة، حيث إن وقوع هذه الجرائم تحت مرأى ومسمع النيابة وفي ظل تورط العاملين في مقراتها والمكلفين فيها بمهام الحراسة في تعذيب الضحايا، بشكل يتجاوز مهامهم، يعكس تراخي النيابة في ممارسة اختصاصاتها القانونية في وقف هذا النوع من الجرائم وفتح تحقيق مع مرتكبيها على الفور.

الجلاد مجهول

وردت كذلك على لسان ضحايا التعذيب مواجهتهم صعوبة في كثير من الأحيان في تعيين العناصرالقائمة على تعذيبهم بشخوصهم الحقيقية حيث يجري تعذيبهم في ظل تغمية العين، وإن كانت ُتشير شهاداتهم وأقوالهم لتعذيبهم على أيدي عناصر عاملة في هذه الأجهزة، وذلك تحت مرأى ومسمع وبتوجيه من المسؤولين في هذه الأماكن والقائمين على التحقيقات.
وتؤكد الشهادات في التقرير أن حدة التعذيب تختلف تبعا لتصنيف القضية والمتهمين فيها لدى الأجهزة الأمنية، وبدرجة أقل يلعب عامل مثل نوع الجهاز المسؤول عن المتهم في مرحلة ما دورا في نوعية التعذيب والمعاملة العنيفة التي قد يلقاها.

قضايا العنف السياسي

ويتعرض المتهمون في قضايا العنف السياسي للتعذيب الأكثر عنفا وقسوة في أوساط المتهمين، وذوي الانتماءات الإسلامية، ويمتلك جهاز الأمن الوطني السمعة الاكثر سوءا بين الأجهزة من حيث العنف في أساليب التعذيب، وكذلك تشتهر بعض المقرات بالتعذيب مثل سجن العازولي العسكري بالقسوة.
وتكشف أوراق التحقيقات عن شكاوى من تعذيب ومعاملة قاسية انتهت بالبعض لإصابات وآثار دائمة، دون تدخل طبي، وغير ممكن تداركها طبيا، وهي شائعة في حالة الضحايا الذين تجمع قضاياهم بين تقاطعات العنف السياسي والانتماء السياسي الإسلامي، ووقوع القضية في نطاق اختصاص جهاز للأمن الوطني. وبرغم إثبات الأوراق الرسمية لهذه الإصابات، ووجود ما يستدعي التيقن من صحة هذه الادعاءات، لم يتمكن أي من المتهمين من الحصول على فرصة عادلة لإثبات جرمية التعذيب المرتكبة في حقه، وذلك بالمخالفة للقوانين المحلية والدولية، والتي انتهت بالبعض للحكم عليه بالإعدام وتنفيذه بالفعل، وفق التقرير.

الصعق بالكهرباء

وتناولت شهادات الضحايا في التقرير الأساليب المتبعة في التعذيب، التي جاء في مقدمتها الصعق بالكهرباء.
وحسب التقرير، فإن إحصاء أوراق التحقيق لـ 500 متهم، بينت تعرض 96 ٪ منهم إلى الصعق بالكهرباء، وسجل وقوع هذه الممارسة في سجن العازولي، والكتيبة 101 في مدينة العريش، وعدد من المقرات التابعة لجهاز الأمن الوطني على مستوى البلاد.
وأكدت الجبهة أن شهادات الضحايا كشفت عن عدم تورع الأجهزة عن الصعق بالكهرباء في أماكن مختلفة من الجسد، إضافة لعدم التورع عن التصعيد في هذا الصعق تبعا لتصنيف الشخص لدى جهاز الأمن الوطني، فالمتهمون المحسوبون على قضايا عنف سياسي معرضون لتلقي الصعق بأكثر الطرق وحشية، بداية من استخدام صاعق كهربائي وصولاً إلى توصيل أسلاك كهربائية في أصابع الأيدي والأرجل والصدر والظهر والبطن واللسان والعضو الذكري وفتحة الشرح، ويمكن أن يستمر الصعق لعدة ساعات على مدار أيام حتى يفقد الشخص وعيه تماما. وتسبب هذا الأسلوب الوحشي في إصابة الأشخاص بحروق بدرجات متفاوتة، وفقدان الإحساس في بعض أجزاء الجسد، والإصابة ببعض الأمراض العصبية.
وتضمنت شهادات الضحايا في التقرير نوعا آخر من التعذيب تعرضوا له يعرف بوضع الشواية.
ووفقا لأوراق القضايا، تعرض نحو 320 متهما إلى هذا النوع من التعذيب، وهو ممارسة عنيفة للغاية، يكفي أن يتعرض الشخص لها لعدة دقائق حتى تخلف إصابات بالغة في جسده.

مطالبة بتقديم وزارة الداخلية المتورطين في التعذيب إلى المحاكمة

ويصف المتهمون هذه الوضعية في أقوالهم بأنها النوم على الأرض مع وضع شيء بين الأيدي والأرجل وربطهم في عصاة ثم تعليقها، ويصفها آخرون بوضع قطعة خشب كبرى بين كرسيين وربط الشخص بها من يديه وقدميه، ويهدف هذا الوضع إلى تعريض الشخص إلى أكبر قدر ممكن من الألم مع فقده الإحساس تدريجيا بأطرافه نتيجة لوضع الشد والربط اللذين يكونان عليه.
وسميت بهذا الاسم تشبيها لوضعية الخراف الكاملة المعدة للشواء بإدخال العصاة داخل الخروف بالطول وتعليقه فوق النار.

التجريد من الملابس

ومثّل التجريد من الملابس، حسب التقرير، في كثير من الأحيان، أحد أساليب التعذيب الذي يأتي مصاحبا للتعليق، والتعذيب بوضع الشواية، وكذلك الصعق بالكهرباء من أجل ضمان وصول الكهرباء للجسم من دون حائل، حيث يتم تجريد الشخص من كافة ملابسه وفي بعض الأحيان يدهن الجسم بمادة تساعد على زيادة حدة الشعور بالكهرباء. كما يمكن أن يستخدم كممارسة منفصلة من أجل إذلال الشخص وإشعاره بالدونية، ويعمد القائمون على تعذيب الشخص الى تجريده من كافة ملابسه وتركه واقفا لساعات طويلة معصوب العينين في طرقات مقر الاحتجاز أمام المارة.
الاعتداء بالضرب كان أحد أنواع أساليب التعذيب التي تضمنتها شهادات الضحايا، باعتباره من صور العنف والامتهان التي يتعرض لها الأشخاص أثناء فترات اعتقالهم، ويعد من أكثر صور الامتهان بشكل روتيني، التي يتعرض لها المتهمون والمحتجزين في مصر ويحظى بتطبيع كبير في أوساط جهات القبض والاحتجاز ولا يعد بالتبعية أمرا غير قانوني، بالرغم من نص قانون العقوبات على اعتباره مخالفة قانونية تستوجب العقاب في حدها الأدنى الذي لا يصل حد الإصابات.
من خلال تحليل أوراق التحقيقات والتجديدات لـ 500 متهم توصلت الجبهة إلى تعرضهم جميعا للضرب خلال فترة احتجازهم، حيث يحدث الضرب من قبل الأجهزة الأمنية، سواء أثناء الاعتقال أو خلال الاحتجاز، أو عبر توجيه الأمن لبعض العناصر غير المعروفة للمتهمين من رفقاء الحجز أو غيرهم للقيام بهذه المهمة طوال فترات احتجازهم.
وطالب التقرير في نهايته بتوسيع تعريف جرمية التعذيب ليشمل جميع الأفعال المنصوص عليها في المادة 1 من اتفاقية مناهضة التعذيب، لضمان توافق التعريف المحلي مع المعايير الدولية، وإضافة تفاصيل دقيقة تشمل جميع ممارسات التعذيب لضمان عدم تجاهل أي شكل من أشكال المعاملة القاسية أو اللاإنسانية.
كما طالبت الجبهة بتعديل قانون الإجراءات الجنائية لفصل سلطة النيابة العامة في التحقيق عن سلطتها في الاتهام، وذلك لضامن وجود جهاز مستقل ومحايد يقوم بإجراء التحقيقات في الشكاوى بشفافية. كما أكدت على ضرورة تقديم وزارة الداخلية المتورطين في التعذيب إلى المحاكمة لضمان عدم الإفلات من العقاب.

اقرأ المزيد عن:








تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد