الدَّمَرداشِية وألْبِير قٌصِيري
جرت العادة أن يأتي الأدب العربي المكتوب باللغة الفرنسية من البلدان المغاربية، الجزائر تحديدا، بسبب الوضع الاستعماري المعقد الذي غير الملامح الثقافية وضيق على اللغة العربية، بل ومنع تعليمها بمرسوم، كما في الحالة الجزائرية، لكن هذه الرؤية تفتقر إلى الشمولية، إذ إن لهذا الأدب حضورا كبيرا أيضا في بلدان المشرق العربي، حتى تلك التي تعرضت لاستعمار إنجليزي وعلاقتها شكليا واهية بالمستعمر الفرنسي، لكن الحضور الثقافي شيء آخر. لقد انتصرت روما على أثينا وأحرقتها، لكنها ظلت رهينة نظمها وفكرها وفلسفتها وحتى عمرانها. الثقافة تتخطّى عتبات الاقتصاد والمال والسياسة. تترسخ بقوة في داخل الإنسان فهو من سيحملها معه ويشيعها من خلال الخطاب المكتوب أو الشفهي. أسماء مثل قوت القلوب، وأندري شديد، والبير قصيري، وأمين معلوف، وفينوس غاتا خوري وغيرهم، لا تغيب على أحد. أقول أحد وأقصد هنا القارئ العادي وليس المتخصص الذي لا تغيب عنه مثل هذه الأسماء. صحيح أن الظاهرة لم تكن بحجم البلدان المغاربية حيث نبتت الظاهرة وتحول فيها اللغة مع الزمن إلى وسيلة للمقاومة ورفض الواقع الاستعماري اعتمادا على لغته. سلاحه وُجِّه ضده، فكانت هذه الفورة الأدبية التي بقدر ما أحبت اللغة الفرنسية، احتمت بالجذور وحاضر متحول، مهما كانت قسوته.
إن المتأمل عن قرب للظاهرة الفرنكفونية في الابداع العربي، يلاحظ بسهولة انتشار هذا النوع من الكتابة عربيا. لم تعد الكتابة باللغة الفرنسية حبيسة مساحة جغرافية بعينها، مغاربية كانت أو إفريقية، احتلتها فرنسا في القرن التاسع عشر حماية أو استيطانا، ولكنها تمددت الى بلدان المشرق العربي، تحديدا مصر ولبنان وسوريا، التي كانت على تماس عميق بالثقافة الغربية والفرنسية تحديدا. كتاب كبار مثل قوت القلوب (الدامرداشية 1892-1968) التي نشرت كل أعمالها في أكبر دار فرنسية، غاليمار، لم تكن كاتبة ثانوية أو طارئة. فقد كتبت روايات كثيرة كان لها الصدى الأدبي الكبير، مثل حريم (1937)، ثلاث حكايات عن الحب والموت (1940)، زنوبة (1947)، الصندوق الهندي (قدم لها جون كوكتو 1951)، ليلة القدر (1954)، رمزاء (1958)، حفناوي المدهش (1961). رواية حفناوي كانت آخر رواية نشرتها قبل أن تغادر مصر بعد انقلاب جمال عبد الناصر، هربت إلى أوروبا مع والدها الغني، وقررت أن تتوقف عن الكتابة. كيف يحكم الكاتب على نفسه بالموت صمتا كما فعل مالك حداد؟ شيء شديد القسوة. كل نصوصها أنتجتها في مصر، حيث كانت تنشط أحد أهم الصالونات الثقافية. جعلت من مشكلات مجتمعها رهاناتها القوية والأساسية، قضية الحجاب، المرأة، تعدد الزوجات، لكن كتاباتها كانت تنحو بواقعيتها المريرة منحى بلزاكيا (بلزاك).
كما ورد على الغلاف الرابع الذي تتوجه فيه الناشرة دار غاليمار إلى القراء الفرنسيين المتعودين على مخيال مرجعي فرنسي. «نحن أمام رواية حتى لو كتبتها كاتبة أجنبية تصور ثقافة شرقية، بعيد عن ثقافة الغرب، إلا أنها من بين النتاجات الأدبية الفرنسية الكبيرة الأكثر أهمية» فقد استقبلتها الطبقة الثقافية الفرنسية بالكثير من الاحترام. يقول هنري غيومان الذي قدم لروايتها [رمزاء]: «إن مصدر موهبتها المميزة متأتٍّ من رفضها للسهولة في الكتابة». وأندري موروا الذي قدم لروايتها: [ثلاث حكايات في الحب والموت] يقول: «لقد عرفتْ قوت القلوب كيف تستفيد من معلميها المحترفين في كتابة الرواية (فلوبير ومورياك) وكيف تصف، بلغة بسيطة، الشغف الحارق.» كيف استطاعت مسلمة صوفية أن تكتب بلغة فرنسية نصوصا كبيرة، في بلاد ترزح تحت أثقال استعمار امبراطوري بريطاني؟ حاورت نساء عصرها في المجتمع البسيط واستمعت لآلامهن عن قرب، ثم كتبتهنّ بصدق كبير. كاتب مصري آخر لا يقل أهمية عن قوت القلوب، كتب عن الفئة الأقرب منه، «المهمشين»، ألبير قصيري (1913-2008). قراء ألبير قصيري كثيرون في فرنسا، بل أن هناك من جعلوا من رواية [شحاذون بكبرياء]، إنجليهم في الميتروهات والأماكن المعزولة، وفي مصر. لأن ألبير قصيري الذي عاش في باريس وتوفي فيها حمل مصر كذاكرة حية ودائمة الحركة.
أتذكر أني سألته ذات مرة في أحد مقاهي Saint Germain des près، ليس بعيدا عن فندقه الذي أقام فيه جزءا مهما من حياته: لويزيانة La Louisiane: ماذا تعني لك باريس اليوم. لا شيء. هي أنا بشكل من الأشكال. لست لويس 14 لأصرخ: فرنسا أنا (أو الدولة أنا)، لكن مصر بأحيائها القديمة كلها مدفونة في داخلي، لهذا لا أكتب إلا عنها. حاولت التخلص على مدار عشرات السنين، لكنني لم أفلح. حتى العالم الذي نركض نحوه الناس لا يعنيني. كبرت في عائلة مسيحية ميسورة الحال، والد ملاك فدادين على مرمى البصر، وأم مثقفة ومتعلمة، لكني تعلمت كيف ألتفت نحو الآخرين من الفقراء والمعدمين. يجب أن أشهد أن هنري ميلر ساعدني على نشر روايتي الأولى [منسيو الله] Les hommes oubliés de dieu. ، التقيت به في 1941 في أمريكا». في 1948آنشر «كسالى الوادي الحصيب» وفي 1955 نشر روايته المرجعية [شحاذون بكبرياء] Mendiants et orgueilleux، جاءت بعد رواية [العنف والسخرية] La violence et la dérision، التي فاز بها بجائزة Les Gens de lettres، (رجالات الأدب) ثم أعقبتها روايات عديدة منها [ألون العار] Couleurs de l’infamie 1999.، التي فاز بها بجائزة المتوسط 2000. ومنح جائزة الفرانكفونية الكبيرة على مجمل أعماله في سنة 1990. لم يكن ألبير قصيري كاتبا ثانويا، بل من أهم الكتاب العرب الفرانكفونيين. وقد تحولت موضوعة الخمول والكسل إلى فلسفة رفض لقيم المجتمع التي تستعبد الناس. كان قصيري صوت مصر والعرب، في باريس. على الرغم من مديحه للعزلة والهوامش، إلا انتقد في الوقت نفسه المؤسسات الغربية التي جعلت من الإنسان آلة أو ماكنة، مستعملا في ذلك السخرية الناعمة والحادة معا. كان مصريا شعبيا حتى في عناصر النكتة داخل الرواية. تقرأه وكأنه تستمع لمصري من الصعيد يصور شخصا أو وضعا مضحكا. كان يمثل القوة الإنسانية الصامتة. ما الذي ينقص ألبير قصيري ليكون كاتبا عربيا كبيرا؟ اللغة؟ استطاع أن يقوّلها ما لم تكن تريد قوله.
من خلال هذين النموذجين يمكننا القول أن الأدب الفرانكفوني في المشرق العربي ارتبط بقوة بتفاصيل المجتمع الأم بكل تناقضاته. فقد جعلا من اللغة الفرنسية أداتهما التعبيرية الأساسية والمركزية. فقد ظل المجتمع الشرقي بتحولات بنياته وتمزقاته وتاريخه، أهم رهانات الرواية المشرقية بالفرنسية. فكانت لغة فولتير أداتها التعبيرية الموصلة لمشاغلها وقد استثمرتها. وكما طرحنا السؤال سابقا على الرواية المغاربية: هل يمكن التخلص من الرواسب اللغوية المحددة والمتأصلة داخل اللغات بمكامن غير ظاهرة، بإدراج مضامين محلية وانشغالات عربية تمس العرب عميقا وقد تمس الفرنسي الذي يشترك مع العربي في اللغة نفسها. ردود الفعل تختلف حتما وبشكل عميق، ولسلطان اللغة والثقافة المصاحبة دور في ذلك. بالخصوص في قضايا كان المشترك فيها داميا، كالحروب القديمة والحديثة والمنافي المترتبة عنها مثل الطرد والنكبات. قد يصل الاختلاف حد التنافر على الرغم من المشترك اللغوي. لكن داخل هذه الطاحونة اللغوية التي تشتعل وتخمد، يوجد شيء اسمه الإنسان الذي يشكل الرهان الأساسي لأية كتابة. هو ما تبحث عنه الإبداعات الفنية والأدبية. لا يوجد جنس أسود وأبيض وأصفر وأحمر، الذي ربته العنصرية في الأذهان، توجد تنوعات بشرية، لكن الجنس البشري واحد كما يقول كلود ليفي ستروس. الرواية هي ذلك الإنسان المحتمل. الصّوت الخفيّ.
محكمة النقض تؤكد حكم حبس الفنان شادي خلف
خلافات جيرة تؤدي لإصابة سيدة بطلق ناري
تعليق رسمي من سوريا على القصف الإسرائيلي العنيف على أراضيها
نتنياهو يخطط لتجزئة غزة لاستعادة الرهائن
الدولار يتراجع بنسبة 1% أمام اليورو
رسوم جمركية بنسبة 10% على السعودية ومصر
ترامب يفرض رسوماً جمركية على الأردن بنسبة 20 بالمائة
محمد صلاح يقترب من تجديد عقده مع ليفربول
ريزتش: مباراة القادسية أظهرت قدرة الفريق
برشلونة يضرب موعداً نارياً مع ريال مدريد بنهائي كأس ملك إسبانيا
خلاف فاتورة يتحول لمشاجرة في مطعم
عالم فلك أردني يحسم الجدل حول رؤية الهلال وتحديد موعد العيد
هل دفعت السعودية 1.6 مليار ريال كفارة عن إفطار خاطئ
للأردنيين .. تنويه هام بخصوص دوام الخميس
غرامة تصل إلى 500 دينار لمرتكبي هذه المخالفة .. تحذير رسمي
جريمة قتل تهزّ القويسمة عشية العيد: مقتل شاب وإصابة 3
جريمة قتل مروعة تهزّ الشونة الجنوبية في رمضان
الفوسفات تكسب قضية وتفوز برد دعوى بـ50 مليون
فلكي سعودي : رؤية هلال شوال تتحقق مساء السبت .. وعيد الفطر الأحد
الأمن يكشف تفاصيل جديدة في جريمة القويسمة
عودة الأمطار والرعد والغبار .. تفاصيل حالة الطقس
الكشف عن صفقة بملياري دولار لقادة حماس
نائب أردنية تطالب بمنع عرض فيلم Snow White بسبب مشاركة مجندة اسرائيلية
العراق يطالب بنقل مباراته مع الأردن الى مكان محايد
دولة عربية تفاجئ مواطنيها بإعلان عيد الفطر في ساعة متأخرة من الليل