منزل عائلة غريب بالقدس محاصر بالجدار العنصري

mainThumb
صورة تعبيرية

26-03-2025 09:54 PM

السوسنة-  على قمة تلٍ معزول شمال غرب القدس المحتلة، خلف جدار الفصل العنصري، يقع منزل عائلة غريب، الذي يبدو كأنه محاصر داخل سجن. المنزل محاط بسياج فولاذي بارتفاع 8 أمتار، وتغلق مداخله بوابة إلكترونية تحت سيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي، بينما تراقب ثماني كاميرات كل حركة لعائلة فلسطينية تتمسك بالبقاء رغم القمع والعزلة.

يعيش سعدات غريب مع والدته المسنّة، وزوجته، وأطفاله الأربعة في هذا المكان المعزول، حيث يواجهون يومياً تهديدات من المستوطنين، والرقابة العسكرية المشددة، مع خطر دائم بأن يتحول منزلهم إلى مسرح جريمة جديدة كما حدث مع عائلة دوابشة أو الطفل الشهيد محمد أبو خضير.



وبنبرةٍ يملأها الحزن والتحديٍ في آن واحد، يبدأ سعدات حديثه لـ”القدس العربي”، «نحن هنا منذ عام 1979، الاحتلال الإسرائيلي صادر معظم أرضنا وأحاطنا بجدار وأسلاك شائكة، يريدون خنقنا ودفعنا للرحيل، لكننا صامدون هنا، هذا بيتنا ولن نتخلى عنه، حتى لو أصبح زنزانة».
بدأت معاناة عائلة غريب قبل أكثر من أربعة عقود عندما صادرت سلطات الاحتلال 40 دونماً من أراضيهم لتوسيع مستوطنة «غيفعون هحداشا” المقامة على أراضي البلدة. كان سعدات حينها طفلًا، يرى بعينه كيف يبتلع الاحتلال إرث عائلته عنوة.
يضيف «كنا نملك 100 دونم، صادروا أكثر من 40 دونماً وأحضروا مستوطنين متطرفين ليسكنوا حولنا، الآن بقي لنا 60 دونماً خلف الجدار الفاصل، لكن الوصول إليها بات مستحيلًا.
وفي عام 2008، صعد الاحتلال من إجراءاته بعزل المنزل نهائياً، حيث نُصبت بوابة إلكترونية يتحكم بها الجنود، فيما وُجهت كاميرات المراقبة نحو المنزل لتسجيل كل شيء بالصوت والصورة، وأصبح كل من يدخل أو يخرج تحت أعين قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين.
يقول سعدات بحسرة «أحياناً يغلقون البوابة لأيام، فلا نستطيع الخروج، حتى لو احتجنا لطبيب، وفي المقابل لا أحد يستطيع مساعدتنا في حال تعرضنا لأي اعتداء من الاحتلال ومستوطنيه، نحن معزولون بالكامل».
ومع كل صباح، يبدأ سعدات وأفراد عائلته يوماً جديداً من القلق الوجودي، ففكرة أن يتحولوا إلى ضحية جديدة مثل عائلة دوابشة التي أحرقها المستوطنون في نابلس، أو الشهيد الطفل محمد أبو خضير الذي خُطف وعُذّب وأُحرق في القدس، كل هذا شكل لهم هاجس رعبٍ يومياً وشبحاً يطارد صمودهم داخل المنزل.
يقول غريب «أنا خائف على أطفالي، المستوطنون يراقبوننا ليلاً ونهاراً، وبأي لحظة قد يقتحمون المنزل ويكررون ما فعلوه بدوابشة وأبو خضير، لا أحد يستطيع الوصول إلينا لإنقاذنا إذا حدث شيء».
رغم هذا الخطر المحدق، لا يفكر غريب بمغادرة منزله، فهو يرى أن بقاءه حق، وهو أكبر مقاومةٍ في وجه محاولات التهجير القسري، أو التنازل عن أي شبرٍ من فلسطين أكبر مقاومة في وجه محاولات تهجيره القسري.
ومنذ السابع من أكتوبر / تشرين أول 2023، تصاعدت الاعتداءات الإسرائيلية بشكل ملحوظ، حيث أُغلقت البوابة الإلكترونية لأيامٍ متواصلة وتزايدت المضايقات اللفظية والجسدية من المستوطنين الذين نصبوا نقطة حراسةٍ بجوار المنزل.
ويصف سعدات الوضع بعد هذا التاريخ قائلاً «كل شيء أصبح أكثر خطورة، يغلقون البوابة ليومين أو ثلاثة، ولا نستطيع حتى إدخال الطعام، المستوطنون يتوعدوننا يومياً بألفاظ بذيئة وتهديدات بالقتل».
وفي تشرين الأول / أكتوبر 2024، حاول المستوطنون مصادرة 20 دونماً إضافية من الأرض المحيطة بالمنزل، رغم نجاح العائلة في إزالة السياج واستعادة الأرض، إلا أن خطر المصادرة يظل قائماً.
وبالنسبة لعائلة غريب، أصبح الصمود واجباً مُقدساً. ويؤكد سعدات أن ما تعانيه عائلته لا يُقارن بما يواجهه الفلسطينيون في غزة وجنين وطولكرم، لكن معركته هي جزء من نضالٍ أوسع مع الاحتلال الاسرائيلي.
ويقول «نحن كعائلة محاصرة نعيش الألم، لكن أهلنا في غزة وجنين وطولكرم يواجهون الأسوأ، صمودنا هنا رسالة للعالم أن الفلسطيني لن يقتلعه الاحتلال، نحن لن نغادر مهما فعلوا».
ويضيف «نربي أطفالنا على الإيمان أن هذه أرضهم، وأنهم لن يتركوها، كل الضغوط الإسرائيلية لن تكسر إرادتنا ولن نقبل بأي مساومةٍ مهما كانت، سنبقى في هذا البيت حتى زوال هذا الكيان».
وبهذا العزم والتحدي، تستمرُ عائلة غريب في مواجهة حصار يهدف إلى خنق وجودهم، لكن حكايتهم ليست مجرد معاناة بل هي صرخة صمودٍ في وجه آلة الحرب الإسرائيلية التي تحاول اقتلاعهم من جذورهم .

اقرأ المزيد عن:









تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد