طوفان الأقصى: حقيقة الصهيونية

mainThumb

26-02-2025 06:22 PM

كانت أول مقالة نشرتها بعد السابع من أكتوبر 2023 مباشرة تحت عنوان: «طوفان الأقصى: الدرس الأبدي»، ومفادها: «أنه لا يضيع حق وراءه طالب». نستخلص هذا الدرس من تواريخ كل الشعوب التي تعرضت للاحتلال والاضطهاد. وما تقدمه المقاومة الفلسطينية منذ نكبة 1948 دليل على ذلك، كما أن ما جرى منذ بداية الطوفان خير تأكيد أن القضية الفلسطينية حية أبدا، ما دام الاستيطان قائما، وعدم الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته الوطنية في نطاق حل الدولتين مستمرا، رغم كل التهديدات والمؤامرات.
كان طوفان الأقصى أطول حرب متواصلة مع الصهيونية تخوضها المقاومة. ورغم كل التدمير والتقتيل الذي مارسته الصهيونية ضد غزة، ورغم كل الوعود بتحقيق الأهداف التي سطرها نتنياهو وزبانيته، والتي كان مآلها التبخر، فإن صمود المقاومة ظل قائما ومتواصلا، ودالا على الدرس الأبدي الذي سطرته المقاومة بدماء التصدي والمغالبة، على الرغم من اختلال ميزان القوى، والدعم المطلق الذي لقيته الصهيونية من أمريكا والغرب، وعلى المستويات كافة.
يمكننا، علاوة على ذاك الدرس استخلاص الكثير منها، والهدنة متواصلة، رغم الخروقات والادعاءات الصهيونية والأمريكية الكاذبة والمراوغة، وتبادل الرهائن والأسرى جار بدلالاته الفارقة على التصرف الصهيوني المتوحش، والفلسطيني في أبعاده الإنسانية. يتجسد أهم هذه الدروس في أن إسرائيل لا تستمد قوتها وجبروتها من عبقرية استثنائية تتميز بها عن غيرها من الشعوب، كما يروج لذلك إعلاميا. وإنما من تبعيتها وخضوعها للوصاية الأمريكية المتغطرسة. لقد أسقط طوفان الأقصى تلك الأسطورة عن الجيش الذي لا يقهر. كما أن المزاعم عن القوة العالمية الأولى في العالم، وأن ترامب جاء ليكون الجحيم على القضية الفلسطينية، ليس سوى «أحلام يقظة» كما سبق أن عبرتُ عن ذلك لمقاول وسمسار جشع. وأن ادعاءاته بأنه سيستعيد هيمنة أمريكا على العالم، وعصرها الذهبي ليس سوى هلوسات طاغية، يبني رؤيته للعالم على خرافات دينية، وحماقات مجنونة. وما تصريحاته المتناقضة، وتلويحاته الخرقاء ضد جيرانه، والاتحاد الأوروبي، والصين، ومواقفه اللا عقلية تارة مع روسيا ضد أوكرانيا، وطورا مع أوكرانيا ضد روسيا سوى تأكيد على جنون العظمة المريض. ولعل تصريحاته المجانية حول غزة، التي انتهت إلى عكس ما كان يضمره دال على أن الطاغية لا يردعه إلا قول: لا.

إن الصهيونية من خلال الطاغية نتنياهو، وأمريكا من خلال الجبار ترامب ألف كل منهما تصور أن الأكاذيب والخرافات التي يروجها الإعلام المسخر لخدمتهما لا يمكن إلا أن يصدقها الجميع، ويعمل بما تدعيه. وعندما يسمع كل منهما كلمة: لا، كما نطقتها الأردن ومصر والسعودية، وكل الدول العربية والعالم، فإنه يبدأ في التراجع المشين، وله أن يبرر ادعاءاته الجديدة، وهو صاغر، بما يوحي بأنه يؤكد ما قاله قبل سماع كلمة النفي. وها هو نتنياهو ما يزال يدعي بأنه يحرر الرهائن، وكأنه انتهى إلى ذلك عن طريق كل حرب الإبادة التي خاضها ضد غزة، وليس عن طريق المفاوضات التي توصل إليها، ليس بمزاعم ما طرحه ترامب، ولكن بعد أن تبين له أن المقاومة الفلسطينية، لم تنته بانتهاء الاغتيالات الجبانة، وأن حرب الاستنزاف التي فرضتها عليه جعلته يستسلم، ويبرز أنه تحت ضغط تصريحات ترامب، التي جاءت بدورها نتيجة الصمود الفلسطيني، وطول أمد الحرب؟ ولعل ما نراه في ادعاءاته التي لا نهاية لها حول طريقة عرض تسليم الرهائن ما يؤكد شعوره بالمذلة والمهانة.
إن من ألف سماع: نعم، تردعه كلمة: لا، وتوقفه عند حده. وهذا ما يجده ترامب ومعه نتنياهو في هذا السياق الذي ولده طوفان الأقصى، والذي يرغم كلا منهما عن التراجع عن التصريحات المجانية. لقد تعرت الصهيونية، وظهرت على حقيقتها، ومعها الآلة الجهنمية الأمريكية التي ظلت تهدد الدول العربية بادعاء حمايتها، أو كونها «تتصدق» عليها، هل نقول ترشيها لتخضعها لهيمنتها. سقط القناع، وتلك بدايات النهاية.
إن إسرائيل وأسلحتها ومسيراتها، وما تزودها به أمريكا تبرز أنها غير قادرة على «حماية نفسها» بواسطتها، فأنى لها أن تمدها إلى غيرها؟ لطالما ادعت أمريكا وإسرائيل حماية الدول العربية، ولكن أبان الحدث العظيم لطوفان الأقصى أنها للدفاع عن مصالحها في المنطقة، وأنها لا تخفي أطماعها في توسيع رقعتها على حساب من تدعي أنهم حلفاؤها، وترهبهم بالتطبيع معها. لقد ظهرت حقيقة الصهيونية في أفعالها وأقوالها، وعهودها ومواثيقها. ظهرت في ازدراء من يطاوعها في تحقيق مشاريعها، وفضح أسرار من يتعاملون معها بوقاحة وتعال. ظهرت في أنها الجار الذي لا تؤمن بوائقه، والذي لا تهمه سوى مصالحه وتحقيق أساطيره الوهمية. ظهرت في سرقة الخيرات الطبيعية للمنطقة، والتراث الفلسطيني، وما تتميز به بعض الدول العربية فتسرقها، وتدعيها لنفسها، وتقدمها على أنها من إنتاجاتها (تمر المجهول، الأركَان، على سبيل المثال). ظهرت في أن الصهيونية غير جديرة بالثقة، وأن الغدر والطغيان من مميزاتها الأزلية، وأنها بلا أخلاق، ولا مبادئ إنسانية تنهض عليها.
لا يضيع حق وراءه طالب. والحق الفلسطيني جزء من الحق العربي. وأمريكا، ومعها الصهيونية، توهم العرب بأنها حليفتهم، وهي العدو التاريخي. إنها لا تحترمهم، وتستفز مشاعرهم، وتبتز مقدراتهم بدعوى حمايتهم، وتفرض الوصاية عليهم، وتعمل باطراد على إدامة التفرقة بينهم. ولكن كلا منهما، في العمق، وفي السر والعلن، وبصريح العبارة يتحدث عن «الشرق الأوسط الجديد»، و»إسرائيل الكبرى».

كاتب مغربي



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد