تونس والتدخلات الخارجية

mainThumb

26-02-2025 06:18 PM

بغضب شديد ولغة متوتّرة للغاية ردّت تونس على البيان الصادر عن المفوّض السامي لحقوق الانسان الذي انتقد بقوة أوضاع الحريات في البلاد وسجن معارضين وصحافيين ومحاكمات في ظل قضاء غير مستقل وتكبيل لحرية الرأي والتعبير.
بعد أسبوع كامل جاء الرد في بيان لوزارة الخارجية، وهو في أسلوبه ولغته أقرب لما يصدر عادة من قصر الرئاسة، ليقول بالخصوص «إنّ تونس ليست في حاجة إلى تأكيد حرصها على حماية حقوق الإنسان» وأنها «يمكن في هذا الإطار أن تُعطي دروسا لمن يعتقد أنّه في موقع يُتيح له توجيه بيانات أو دروس» وأن الملاحقات والمحاكمات «تمّت من أجل جرائم حقّ عامّ لا علاقة لها بنشاطهم الحزبي والسياسي أو الإعلامي أو بممارسة حريّة الرأي والتعبير. فليس لأحد أن يتذرّع بكونه فوق المحاسبة أو يستعمل وسائل ضغط في الدّاخل أو في الخارج للتفصّي من العدالة أو الإفلات من العقاب».
ليست هذه المرة الأولى التي ترد فيها تونس على بيانات من منظمات أو دول أو شخصيات ناقدة خاصة بعد يوليو/ تموز 2021 تاريخ انفراد قيس سعيد بالحكم بشكل كامل، لكنها قد تكون الأولى بمثل هذه اللغة الساخطة البعيدة عما يصدر عادة عن وزارات الخارجية.
قد يعود الأمر إلى أن بيان المفوضية جاء موجعا حقا، بحيث تطلّب أكثر من أسبوع للرد عليه، فقد جاء تصريح المفوّض السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، في 18 فبراير /شباط 2025 قويا وواضحا حين دعا إلى «وقف جميع أشكال اضطهاد المعارضين السياسيين» مؤكدا أن «العديد من هؤلاء يقبعون رهن الاحتجاز قبل المحاكمة، وهم يواجهون اتهامات فضفاضة وغامضة، على ما يبدو نتيجة ممارستهم لحقوقهم وحرياته».
لهذا كان من الصعب عدم ربط بيان المفوضية بما حصل بعده في تونس من إطلاق سراح الناشطة الحقوقية سهام بن سدرين الرئيسة السابقة للجنة الحقيقة والكرامة أو للصحافي محمد بوغلاب. تم النظر في الغالب إلى هذين الإفراجين، وغيرهما لبعض الوزراء السابقين، على أنها خطوة محدودة لا تدل بالضرورة على أن جوا سياسيا جديدا بدأت نسائمه تهب قليلا في البلاد بقدر ما هي محاولة لتخفيف الضغوط الخارجية المتعدّدة. كانت أيضا خطوة لا تدل على أن القضاء الذي يعيش «وضعا كارثيّا» نزعت منه «كل ضمانات الاستقلالية» على حدّ تعبير جمعية القضاة في بيانها الأخير في 17 فبراير /شباط، قد شرع في استعادة دوره الحقيقي لأن الافراج جاء على الأرجح بتعليمات، تماما كالزج بهؤلاء في السجن.

ما كان لأي مراقب للوضع الداخلي في تونس ألا يربط بين هذه المبادرات المحدودة وبين تزايد تدهور صورة تونس في الخارج، التي تعدّدت تجلياتها في نوع من «الحملة» التي تدين علنا الكثير الانتهاكات التي يتعرّض لها السياسيون المعارضون والصحافيون وكل من عبّر عن رأي مخالف للسلطة القائمة.
لم تقف الأمور عند البيان شديد اللهجة لمفوضية حقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة، بل امتدت إلى تواتر تغريدات وتصريحات للنائب الجمهوري في مجلس النواب الأمريكي جو ويلسون وعضو لجنة المجلس للعلاقات الخارجية والتي كثف فيها من انتقاداته لتونس ورئيسها، ليس فقط حول وضع الحريات وإنما أيضا حول ما اعتبره تقاربا مع إيران وروسيا والصين. لم يكتف ويلسون بذلك، بل هدّد بتقديم مشروع قانون عقوبات سمّاه «استعادة الديمقراطية» دون أن ننسى كذلك، بعض الانتقادات التي يسوقها أحيانا عضو مجلس الشيوخ السيناتور الديمقراطي كريس مورفي عضو لجنة العلاقات الخارجية الذي كان دافع عام 2023 عن تقليص المساعدات الأمريكية لتونس الموجّه أغلبها إلى المؤسستين العسكرية والأمنية.
وحين فُهمت الافراجات الأخيرة على أنها تهدف، على الأرجح، إلى منع المزيد من الضغوط الخارجية، تطوّع بعض نواب مجلس النواب إما إلى إثارة وإدانة «شبهة التدخل الأجنبي في شؤوننا الداخلية، وهي مسألة بالغة الخطورة تستدعي الوقوف عندها بكل جدية» بل ومطالبة وزارة العدل بفتح تحقيق بخصوص الافراجات الأخيرة، وفق ما أعلنته نائبة في مجلس النواب، أو مطالبة نائب آخر الرئيس قيس سعيد بـ«التدخل في القضاء» و«إصدار عفو خاص» للإفراج عن سنية الدهماني المحامية والإعلامية وعبير موسي رئيسة «الحزب الدستوري الحر» المسجونتين حاليا، في خطوة ربما رآها استباقية لقطع الطريق أمام المزيد من الضغوطات الخارجية المحتملة أو تجنّب الظهور بمظهر الخضوع لها.
اللافت أن أنصار الرئيس لم يُبدوا هذه الحساسية المرهفة بشأن السيادة والتدخل الخارجي إلا حين يتعلق الأمر بالحريات وحقوق الانسان ،في حين لا يسمع لهم أي صوت بخصوص طبيعة العلاقة «الخاصة جدا» التي أصبحت سائدة مثلا مع إيطاليا أو الجزائر، كما يجب ألا ننسى ما أورده جاريد كوشنار صهر الرئيس ترمب في كتابه الصادر عام 2022 الخاص بمذكراته في البيت الأبيض حين أورد (ص325 و326) قصة مشروع القرار المتضامن مع الفلسطينيين وضد صفقة القرن الذي تقدم به إلى مجلس الأمن مندوبها آنذاك منصف البعتي، حيث سُحب القرار فورا وعُزل المندوب مباشرة، بعد مجرد مكالمة هاتفية من كوشنير إلى تونس وهو ما أثار استغرابه هو نفسه إذ توقّع، كما كتب، أخذا وردا حول الموضوع وليس إجراءً فوريا قاطعا كالذي حصل!!

كاتب وإعلامي تونسي



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد