ماكوندو… رأيَ العين

mainThumb

24-02-2025 03:09 PM

نادرا ما يرضى الروائيون عن الأفلام والمسلسلات المقتبسة عن رواياتهم، وتتراوح ردود فعلهم من الذهاب إلى المحاكم مثلما فعل ستيفن كينغ، أو رفض إعادة التجربة وهذا ما حصل مع ميلان كونديرا، حين رأى الفيلم المقتبس عن روايته «كائن لا تحتمل خفته»، وهناك من رفض بشدة أن يدخل في التجربة أصلا، فرغم المحاولات الكثيرة والعروض الوفيرة، رفض سالينجر أن تتجسد رائعته «الحارس في حقل الشوفان» في فيلم، رغم النجاح المتوقع لها فقد كان شعار «كلُّنا هولدن كولفيد» على لسان كل الساخطين الغاضبين في أمريكا.
ولعل ردة فعل أمبرتو إيكو كانت الألطف، فقد استوعب رؤية شين كونري بطل أفلام جيمس بوند وهو يتقمص شخصية بطل روايته «اسم الوردة» الراهب غوليالمو دي باسكرفيل. وتنصل إيكو من الفيلم بذكاء فقال إن «الفيلم عمل شخص آخر». ولكن لم تتح لنا الفرصة لنرى ردة فعل بعض الروائيين الكبار على هذه الاقتباسات السينمائية لرواياتهم، وعلى رأسهم رائد الواقعية السحرية غابرييل غارسيا ماركيز، فالحدث الأهم سينمائيا في العالم منذ شهرين، ولا يزال يسيل حبرا كثيرا هو، تحويل أيقونته الروائية «مئة عام من العزلة» إلى مسلسل تلفزيوني أنتجته المنصة العملاقة «نتفليكس» بعد أن اشترت الحقوق من ولديه رودريغو وغونزالو غارسيا، وهما بالمناسبة منتجان تنفيذيان في المسلسل، رغم رفض ماركيز مرارا بيع حقوق الرواية للسينما، وليست هذه المرة الأولى التي يخالف فيها ابنا ماركيز رغبته، فقبل سنة نشرا رواية «حتى أغسطس» مع أن أباهما أمر بإتلافها، ولكن كما قالا «فكرنا لمدّة ثلاث ثوان هل هذه خيانة لوالدينا؟ لرغبات أبينا؟ وقرّرنا: نعم هذه خيانة، ولكن هذا ما يفعله الأولاد».

وحكاية ماركيز مع رفض تجسيد «مئة عام من العزلة» سينمائيا مشهورة، فقد كرر جوابه مرارا بلطف أحيانا وبحدة أحيانا أخرى، رغم أن بعض رواياته اقتبست في أفلام في حياته نجح بعضها مثل الفيلم المقتبس عن روايته «ليس لدى الكولونيل من يكاتبه» (1999) والذي كاد أن يفتكّ جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان، كما فشل البعض الآخر فشلا كبيرا مثل الفيلم المقتبس عن روايته «الحب في زمن الكوليرا» (2007)، لكن «مئة عام من العزلة» بالتحديد كان يرفض تحويلها إلى الشاشة رغم العروض السخية التي قدمت له، قائلا إن روايته كتبت أساسا لإثبات أن الكلمة المكتوبة لها مجال أوسع من السينما. كما كان في شك كبير من أن يستطيع فيلم أو مسلسل تتبع حياة سبعة أجيال من عائلة بوينديا على امتداد قرن كامل، وقد قال ماركيز مرة لمنتج أمريكي كان راغبا في شراء حقوق الرواية، «وحدها مئة ساعة سينمائية ربما تَفي هذه الرواية حقّها».

غير أن سبب خوف الروائي النوبلي الحقيقي كان من تجريد الرواية من روحها اللاتينية حين تنتجها هوليوود بإمكاناتها الضخمة، وبممثليها المشاهير الذين يضمن حضورُهم المداخيل الضخمة، ولكنهم يبقون في النهاية الرجل الأبيض الذي يصنع الفيلم على صورته. فالاقتباس السينمائي يحرم القارئ، وقد أصبح مشاهدا من تخيل الرواية، أي إخراج فيلمه الخاص عنها ويحوّله إلى متلقٍّ سلبي، وهذا ما صرح به ماركيز نفسه يوما حين قال في لقاء صحافي: «الرواية، على عكس الأفلام، تترك للقارئ هامشا من الإبداع يسمح له بتخيل الشخصيات والبيئات والمواقف، كما يتخيلها القراء يعيدون بناء الرواية في خيالهم ويخلقون رواية لأنفسهم. الآن، لا يمكنك فعل ذلك في السينما». على الرغم مما قد يجلبه هذا التجسيد المرئي من شهرة مضافة وانتشار للرواية المكتوبة نفسها، وهذا ما رواه أمبرتو إيكو في شكل طرفة في حواره مع جمانة حداد، عن صبية دخلت إحدى المكتبات، وحين رأت روايته «اسم الوردة» معروضة على الرفوف هتفت «آه لقد حوّلوا الفيلم إلى كتاب»، وهو ما حدث مع رواية «مئة عام من العزلة» أيضا، فبمجرد إعلان منصة «نتفليكس» عن قرب بثِّ المسلسل تجدد الاهتمام بالرواية، وبيع منها في الصيف الماضي في اليابان وحدها نحو 300 ألف نسخة.
ولكن.. هل كانت تحتاج هذه الرواية -التي باعت منذ صدورها عام 1967 أكثر من خمسين مليون نسخة، وترجمت إلى 46 لغة ونال عليها ماركيز جائزة نوبل عام 1982- هل تحتاج مسلسلا نتفليكسيا ليزيد من شهرتها؟ وللإنصاف إن ما فعلته المنصة كان تحديا كبيرا استطاعت رفعه ونجحت فيه، حيث لم تستعجل في إنتاج مسلسلها، خاصة إذا علمنا أنها حصلت على حقوق تحويل الرواية إلى مسلسل سنة 2019 أي بعد خمس سنوات من وفاة ماركيز، واستغرقت منها عملية كتابة السيناريو والإنتاج ست سنوات كاملة لتنفيذها، حتى تمكنّا من رؤية ثماني حلقات هي نصف المسلسل الذي سيُلحق بمثلها للنصف الثاني، الذي لم يعلن بعدُ عنه متى سيرى النور.

وكان التحدي الأكبر أن منصة نتفليكس التزمت باشتراطات ابني ماركيز، اللذين خففا من تهمة خيانة والدهما بمحاولة جعل المسلسل مطابقا لرغبات ماركيز لما سمح بتصويره، فاشترطا أن تكون لغة المسلسل الإسبانية بلهجاتها المختلفة، بنبرة كاريبية لا تخطئها أذن عارفي هذه اللغة، وأسندا الإخراج إلى الأرجنتيني غارسيا لوبيز والكولومبية لورا مورا، والشرط الأصعب كان في الاعتماد على ممثلين كولومبيين غير معروفين خارج بلدهم، لتجسيد رواية عرفت بملحميّتها تغطي قرنا كاملا من قصص الحب والخيانة والحروب الأهلية والأحداث الخيالية، ومئات الأسماء المتشابهة المعاد تدويرها. أما الرهان الذي نجحت فيه المنصة بامتياز فهو خلق القرية الأسطورية ماكوندو وتحويلها من أسطر الرواية إلى الواقع، بشوارعها وبيوتها والطلاء المتقشر عن حيطانها والأشجار المغروسة في فناء بيوتها، وانعزالها الذي يُلمس باليد، فعلى مساحة سبعين ملعب كرة قدم وفي سفوح جبال الأنديز الكولومبية جيش كامل من الحرفيين والمعماريين شيدوا أكبر ستوديو في أمريكا اللاتينية لم يتركوا فيه أدق تفصيل للصدفة، ومن شاهد المسلسل يدرك أن ماكوندو كانت بطلا أساسيا إلى جنب خوسيه أركاديو وأورسولا.

وهذا التحدي في تجسيد المدينة المتخيَّلة ليس الوحيد، بل إن هذه الرواية لا تسلم مفاتيحها بسهولة، ويكفي أن نتخيل عشرات الأسماء المستنسخة عن بعضها التي تصيب قارئها بالدوار، وحسنا فعل صالح علماني مترجم الرواية إلى العربية، حين وضع في آخر صفحة من ترجمته شجرة أسرة بوينديا «يرجع إليها القارئ عندما تلتبس عليه الأسماء»، أما في المسلسل فنابَتْ الوجوه عن الأسماء في التمييز بين الأشخاص، وهكذا حُلّت المشكلة التي عانى منها القراء. ومن تحديات الرواية أيضا ندرة الحوارات فيها وهي عقبة واجهت الفريق الذي كتب السيناريو لكنهم تغلبوا عليها باستلهام حوارات ذكية متقنة من أجواء الرواية، إلى درجة أن بعض من انتقد المسلسل كتب عيبه، أنه كان وفيا جدا للرواية المكتوبة. تفاصيل كثيرة تغلب عليها منتجو المسلسل بالالتجاء إلى حيلة الراوي العليم، الذي كان ينقذ سلاسة المسلسل، ابتداء من الافتتاحية المشتركة بين الرواية والمسلسل بجملها الصادمة «بعد سنوات طويلة، وأمام فصيلة الإعدام سيتذكر الكولونيل أورليانو بوينديا، ذلك المساء البعيد الذي أخذه فيه أبوه للتعرف على الجليد»، وليس انتهاء بطيّ الزمن حين يساعدنا صوت الراوي العليم في المرور السريع للزمن في المسلسل، الذي اختار ترتيبا تاريخيا للزمن وليس دائريا كما هو في الرواية.
ما كتبته ليس سوى إطلالة خارجية على المسلسل الذي توقف عند نصف الرواية بانتظار اكتماله لنحكم عليه، رغم أن نصفه الأول مبشر وناجح عند من لا يرون بالضرورة تطابق الرواية مع الفيلم المقتبس منها، وإلا سنحتاج إلى «مئة عام من التصوير» كما قال ماركيز مرة، لنحكي قصة ماكوندو وهي تتحول من مجموعة بيوت طينية متفرقة إلى مدينة تعج بحكايات الحب والخيانة وسفاح القربى والحروب وتدخل الكنيسة، وأفراد من عائلة بوينديا يستنسخون أخطاء آبائهم في زمن دائري مثل ثعبان الأوروبوروس الذي يأكل ذيله في بداية المسلسل.
كتب غابريال غارسيا ماركيز في عام حصوله على نوبل «لقد شاهدت العديد من الأفلام العظيمة المقتبسة من روايات سيئة للغاية، ولكنني لم أشاهد قط فيلماً عظيماً مقتبساً من رواية عظيمة»، ولكن.. لو قدّر له أن يرى روايته «مئة عام من العزلة» وقد تحولت إلى مسلسل ناجح هل كان ليبقى على رأيه؟ أعتقد سيقول لنا بسخرية لا تُخفي إعجابه بالجزء الأول «فلننتظر اكتمال المسلسل ونَرَ»!

شاعرة وإعلامية من البحرين



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد