كيف خيب ترامب آمال ناخبيه

mainThumb

17-02-2025 07:17 PM

تبدو رئاسة ترامب مع نهاية الأسابيع الأربعة الأولى من رئاسته أشبه بإعصار يضرب في الداخل الأمريكي وفي الخارج معاً ـ بمبادرات وشطحات وتهديد ووعيد بالسيطرة على غزة وترحيل سكانها والتعامل كمطور عقارات وليس رئيس دولة برؤية. وفرض رسوم جمركية على واردات الحلفاء والخصوم ـ وحتى وقف حرب أوكرانيا دون دور لأوكرانيا والحلفاء الأوروبيين، ما يثير علامات تعجب وتساؤل الحلفاء أكثر من الخصوم بكيفية مقاربة مطالب ووعيد ترامب دون استفزازه. برغم أن كثيرا من موافقه وتصريحاته هي أقرب للتنفيس والتصعيد وجزء من الخداع ورفع السقف للحصول على تنازلات كما هو الحال مع غزة وإيران وحتى الحلفاء ـ كندا والاتحاد الأوروبي والناتو.
ويثير التساؤل والتعجب تصميم ترامب المحموم بتفكيك الدولة وإضعاف أجهزتها كما توعد في حملته الانتخابية بالعودة للانتقام والنيل من الدولة العميقة وخاصة في وزارة العدل ومكتب التحقيق الفيدرالي (FBI). ونجح ترامب، بانتزاع مصادقات مجلس الشيوخ على جميع مرشحيه لمناصب وزارية ومدراء وكالات فيدرالية، بمن فيهم مرشحوه المثيرون للجدل لمواقفهم وعدم كفاءتهم وخبرتهم ـ كما تؤكد سيرهم الذاتية، وكما يصفهم الديمقراطيون، وحتى متش ماكونيل زعيم الأغلبية السابق في حزب ترامب الجمهوري ـ صوت ضد مرشحي ترامب لمنصبي وزير الدفاع بييت هيغيسث ووزير الصحة روبرت كنيدي ومديرة الاستخبارات الوطنية، أرفع منصب استخباراتي في الولايات المتحدة، تولسي غيبارد، وربما حتى مرشح ترامب لمنصب مدير الأف بي أي! والملفت كان ماكونيل السناتور الجمهوري الوحيد الذي صوت ضد مرشحي ترامب لمناصب رفيعة!!
ولكن أخطر ما يقوم به ترامب وبتوجيهات وتنسيق من شريكه إيلون ماسك أغنى رجل في العالم ـ والمكلف من ترامب بقيادة إدارة الكفاءة الحكومية، بخفض وتفكيك وضم وإلغاء وكالات فيدرالية وتقليص عدد الموظفين الأمريكيين ـ وترشيق الحكومة الأمريكية ـ بفصل وتسريح عشرات آلاف الموظفين بمن فيهم حوالي 75 ألفا من حوالي 2.3 مليون موظف في الحكومة الأمريكية بالاستقالة المبكرة مقابل تلقي تعويضات لستة أشهر حتى سبتمبر 2025!
تلك الإجراءات تتعارض مع ما روج له ترامب في حملته الانتخابية بأن هدفه بعودته للرئاسة ـ جعل أمريكا عظيمة مجدداً وذلك بوضع أمريكا أولاً! وأن أولويات أهدافه حل مشاكل الداخل الأمريكي وخفض الأسعار ووقف الفساد والهدر المالي. فإذا بكثير من الأمريكيين بمن فيهم ناخبوه يتابعون مصدومين تركيزه على فصلهم من وظائفهم، وتغير أولوياته في الداخل كما تعهد، والانتقام من حلفاء أمريكا بقرارات رئاسية تُضعف مكانة أمريكا وقوتها الناعمة في الخارج، بتجميد المساعدات الخارجية عن طريق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) التي تُعنى بتقديم المساعدات والدعم لبرامج صحية وتعليم وإغاثة إلى 130 دولة في العالم وإغلاق مقر الوكالة، وتسريح حوالي 10 آلاف موظف داخل الولايات المتحدة وفي الخارج.

وصدم وزير الدفاع الأمريكي الجديد حلفاء أمريكا في حلف الناتو في أول خطاب له بأن عليهم ألا يعولوا على أمريكا بعد اليوم ـ لتكون الضامن لأمن أوروبا!!
والملفت تكثف زيارات ولقاءات ترامب للقادة الأجانب. خلال 10 أيام اجتمع الرئيس ترامب مع أول ضيف أجنبي نتنياهو وقدم له الكثير من التنازلات والوعود والدعم كما كان متوقعاً ـ وكذلك التقى بعده برئيس وزراء اليابان اشيبا ـ الذي تهدد باستثمار تريليون دولار واستيراد الغاز المسال الأمريكي. وكذلك التقى الرئيس ترامب الملك عبدالله الثاني ـ الذي أحرجه ترامب، بتصميمه على تهجير الفلسطينيين إلى الأردن ومصر. ليصدر الأردن بيانا برفض تهجير الفلسطينيين من غزة. ما دفع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي برفض تهجير الفلسطينيين وتقديم مبادرات بإعادة بناء غزة دون ترحيل سكانها، وإلغاء زيارته ولقائه مع ترامب. كما التقى الرئيس ترامب مع رئيس وزراء الهند نارندا مودي في البيت الأبيض.
لكن الأكثر جدلية بأوامر الرئيس ترامب التنفيذية والتي تعد الأعلى لأي رئيس أمريكي بأقل من شهر ـ جمد قضاة فيدراليين، وهذا يتعارض مع الدستور ومن صلاحيات الكونغرس.
وكان مستفزاً استهداف ترامب للحلفاء الغربيين بمطالبته بضم جزيرة غرينلاند ـ أكبر جزيرة في العالم لقربها من القطب المتجمد الشمالي ووفرة الموارد الطبيعية من الدانمارك الصغيرة! وكذلك استفزاز دول الاتحاد الأوروبي والجيران ـ كندا ـ يصر ترامب جعلها الولاية 51 ـ لضعفها وحاجتها للحماية!! ويصف رئيس وزراء كندا ترودو «بحاكم كندا» معتديا على كيانها واستقلالها وسيادتها. ووجه ترامب تهديدات للمكسيك بوقف عصابات تهريب المهاجرين غير الشرعيين ـ وصنفهم منظمات إرهابية ـ واستفز المكسيك بتغيير اسم خليج المكسيك ـ الخليج الأكبر في العالم منذ القرن السابع عشر ـ والاسم الرسمي المعتمد عالمياً وتاريخياً وفي خرائط وأطالس العالم لقرون ـ إلى «خليج أمريكا»!! وعدّلت غوغل تسمية الخليج بإضافة «خليج أمريكا»!
لكن الأخطر في مواقف وأوامر الرئيس ترامب التنفيذية هو تأثيرها على الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد العالمي ـ بتدشينه حربا تجارية متبادلة بفرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المئة على الواردات الكندية والمكسيكية و10 في المئة على البضائع الصينية ورد الدول الثلاث بفرض رسوم مشابهة على البضائع الأمريكية ليؤجلها ترامب لمدة شهر. وكذلك تهديد دول أوروبية والاتحاد الأوروبي بالتحضير لفرض رسوم جمركية على البضائع الأمريكية إلى دول الاتحاد الأوروبي!
وكأن ذلك التصعيد لم يكن كافياً ـ لجأ الرئيس ترامب لتوقيع أمر رئاسي بفرض رسوم جمركية مضادة على جميع واردات البضائع من الدول تعادل الضرائب التي تفرض على البضائع الأمريكية ـ ما يعمق مخاطر الحرب التجارية عالميا ويرفع الأسعار ومعه نسبة التضخم، حتى على المستهلك الأمريكي! هذه الحرب وتصعيد ترامب المستمر سترفع أسعار جميع المواد والمنتجات وعلى رأسها المواد الغذائية التي تعهد ترامب بخفض أسعارها، فإذا بالمستهلك الأمريكي يُصدم بارتفاع أسعارها. وهذا يزيد حجم الغضب والاستياء من ترامب وأوامره التنفيذية لكلفتها على الأمريكيين وتخبط الأولويات!
انتخب الأمريكيون ترامب لأسباب غير التي يوليها أهمية وأولوية.. لذلك ستكون هناك تداعيات مكلفة على الأمريكيين وعلى ترامب معاً!!

أستاذ في قسم العلوم السياسية ـ جامعة الكويت



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد