التحدي والغيمة العابرة

mainThumb

08-11-2012 10:06 AM

يذهب الأميركيون إلى انتخابات الرئاسة ويأخذون العالم معهم. سياسة سيد البيت الأبيض تعني مواطنيه، وتعني أيضاً سكان القرية الكونية في اقتصادهم وأمنهم واستقرارهم. يفوق عدد كارهي السياسة الأميركية أو المعترضين عليها عدد محبيها أو مؤيدي نهجها. لكن هذا لا يلغي ثقل هذه الدولة التي استطاعت حسم الحرب العالمية الثالثة ومن دون إطلاق رصاصة واحدة.

 

أغلب الظن أن فلاديمير بوتين سهر يتابع ما يجري هناك. ولا غرابة في أن يشعر بالحسد أو بشيء منه. لا يحتاج الرئيس الأميركي إلى مناورات غير ديموقراطية لتمديد إقامته ولا يجرؤ على اللجوء إليها. تذكر بوتين يوم كان كولونيلاً في الـ «كي جي بي» يرسل التقارير من قرب الجدار الألماني وكان العدو الأول واضحاً واسمه أميركا. لأميركا قدرة هائلة على التصحيح والتكيف والخروج من الأزمات واستئناف الحلم. لعله رسوخ المؤسسات التي لا يستطيع الرئيس الأميركي التلاعب بمرتكزاتها فيما يستطيع القيصر ترويضها وتقليم أظافرها لإخضاعها.
 
لا غرابة في أن يكون قادة الحزب الشيوعي الصيني أمضوا ساعات أمام الشاشات وهم يستعدون لنقل المشعل أيضاً. من البديهي أن يكونوا قد شعروا بقوة أميركا. بصحة التفويض الذي يُعطى للفائز في انتخابات الرئاسة. بالشرعية الكاملة لمن تعلنه صناديق الاقتراع فائزاً. واضح أن المسؤولين الصينيين سيفتشون عن تبريرات وأعذار. اختلاف الثقافة والإرث. لكن ذلك لا يلغي أن صينيين كثيرين تابعوا مبهورين الانتخابات الأميركية. هذا المشهد الأميركي يشكل تحدياً لسكان القرية الكونية.
 
كان صدام حسين يسخر من الديموقراطية الغربية. كان يقول أمام مساعديه كيف يستطيع رئيس يفوز بـ51 في المئة من الأصوات اتخاذ قرارات تاريخية؟ كان من الصعب عليه أن يحترم رئيساً يمكن أن يخسر منصبه بسبب غلطة أو هفوة أو مانشيت في صحيفة ثم يستدعيه القاضي كأي مواطن عادي. كان يعتقد أن العالم لا يحترم إلاّ الأقوياء وبغض النظر عن أسباب قوتهم. والنتيجة معروفة.
 
كان معمر القذافي يراقب البيت الأبيض من خيمته. وكان يبتهج بتساقط الرؤساء الأميركيين في حين لا يرغم القائد في ليبيا على خوض أي امتحان لاختبار شرعيته أو تجديدها. التفويض يأتي من التاريخ لا من الناخب. والقائد التاريخي لا يحتاج أبداً إلى هذه الورقة الصغيرة الحقيرة التي يضعها الناخب في صندوق الاقتراع. المبايعة تكون بالهتاف و «بالروح والدم». والنتيجة معروفة.
 
كلمة باراك أوباما بعد فوزه تثير الحسد أيضاً. قال للأميركيين إن «الأفضل قادم». أعاد فتح أبواب الأمل. أشار إلى أن قوة أميركا لا تكمن فقط في امتلاك قوة عسكرية غير مسبوقة بل أيضاً في امتلاكها اقتصاداً يتعافى وجامعات عريقة وثورة تكنولوجية دائمة، وقبل ذلك تركيبة متنوعة تتشارك مكوناتها الحلم بالمستقبل والعمل اليومي لتحقيقه.
 
تابعت انتخابات الرئاسة الأميركية من القاهرة. من حسن الحظ أن المصريين احتكموا إلى صناديق الاقتراع وقبلوا بنتائجها. ومن حسن الحظ أن الجيش المصري لم يغرق في دم مواطنيه ولم يرتكب في قصف المدن المصرية مشاهد تذكّر بالحرب العالمية الثانية. هذا يضع مصر أمام امتحان كبير مفتوح. امتحان بناء مؤسسات لكل المصريين واحترام خيارات الناس ومبدأ تداول السلطة وعدم التلاعب بمكونات الهوية المصرية وملامحها.
 
واضح أننا أمام امتحان طويل الأمد. التحدي الأول هو تحسين ظروف حياة الناس في العمل والكرامة وتكافؤ الفرص واحترام الآخر وتمكين المرأة. ولعل المفتاح الأول الالتفات إلى مدارسنا وجامعاتنا والمناهج لتحديثها وعصرنتها. من دون ذلك سنتابع الانتخابات الأميركية كل أربع سنوات وسيكون «الربيع العربي» مجرد غيمة كاذبة عبرت سريعاً.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد