بطولات نائب منشقّ .. !

mainThumb

03-05-2014 10:46 PM

حدث ذات مرّة أن قام نائب في مجلس نواب إحدى دول العالم الرابع، وهي دولة تدّعي أنها الأقل شمولية في الحكم من باقي دول الإقليم، بتغيير شكل خطابه البرلماني، وكان ينتمي لإحدى أكبر الكتل غير المؤدلجة في المجلس، لكنّه خرج على الإجماع، وانشق عن الكتلة وأصرّ على تشكيل رؤية خاصّة به تتسم بالمعارضة وتميل إلى الأدلجة إلى حدٍ ما، وبالفعل قرر هذا النائب أن يجرّب أسلوبه الجديد، وبليبرالية أيدولوجية عالية، في أهم جلسة برلمانية لمناقشة موضوع حسّاس هو بيان الحكومة الجديدة التي أدّت قسم المسؤولية قبل أيام قلائل، وقال هذا النائب لحشد من مؤيديه قبيل بدء جلسة الثقة، بأنه سيعمل على تشريح بيان الحكومة، وتفنيده بصورة ذكية ومُفحِمة خاصة وأنه من مناوئي رئيس الحكومة المكلَّف، الذي قام بتشكيل حكومته دون إشارات إيجابية إلى أوضاع اقتصادية صادمة تمر بها البلاد، ما دعاه إلى تضمين البيان الوزاري لحكومته عدداً من الإجراءات الضريبية القاسية على الشعب، وعلى النواب أنفسهم، في حين خلا البيان من أية وعود واضحة باتجاه تحسين أوضاع معيشة المواطنين باستثناء وعد بعدم المساس بأسعار مادتي الملح والسكر..!!

وقال النائب في خطابه أثناء جلسة مناقشة الثقة:  إن الأوضاع الراهنة التي تمر بها الدولة تحتّم على الجميع التحلي بأعلى درجات المسؤولية، والبعد عن أي مناكفات سياسية فارغة،  وتوحيد الصف، والحفاظ على تماسك لُحمة المجتمع ونسيجه الاجتماعي، والعمل على إيجاد حلول عملية للأزمة في إطار تعاون محسوب بين السلطتين التنفيدية والتشريعية، ووضع حدّ لسلطة الفساد في الدولة..! ورهَنَ النائب منحه الثقة للحكومة بمدى صدق وعودها بمواجهة حالة الفساد الطاغية في البلاد، وبمدى استعداد رئيس الحكومة المكلَّف وإثبات قدرته على إخراج الفاسدين الكبار من جحورهم الفارهة، وبدى قدرته أيضاً على إحلال المساواة والعدالة بين الناس، وبأنه بعكس ذلك يجد نفسه مضطراً لحجب الثقة، على الرغم من وعد الحكومة بعدم المساس بأسعار أهم مادّتين غذائيتين أساسيتين هما الملح والسكر مضيفاً أنه من دعاة رفع أسعار هاتين المادّتين لترشيد استهلاك المواطنين منهما حفاظاً على المصلحة العامة..!!
ولم يتلق النائب أي إشارة من الحكومة بأنها سوف تدخل حرباً مع قوى الفساد في الدولة، واكتفى الرئيس المكلّف بوعد باستيفاء تحقيقات مهمة للإطاحة برؤوس فاسدة كبيرة، مشيراً أن هذه الرؤوس ستبدأ بالتدحرج في غضون أيام، لكنه أردف بأن ذلك لن يتم لمجرد التكهنات وإنما بناءً على دلائل وإثباتات، ويبدو أن النائب المحترم قد اقتنع بحديث الرئيس وقام بمنح الثقة لحكومته، ولم تكن ثقة مشروطة بل مفتوحة على إطلاقها..!!

وعلى الرغم من مطالبة ذلك النائب برفع أسعار مادتي الملح والسكر، إلاّ أن الحكومة أصرّت على موقفها من الإبقاء على دعم هاتين المادتين الأكثر استهلاكاً وذلك من باب دعم المواطن الفقير وتمكين الطبقة الفقيرة والمتوسطة من الإبقاء على مستويات استهلاكها الغذائي من هاتين المادتين الأساسيتين..!

وفي خطوة مهمة لاحقة، انبرى ذلك النائب مطالباً الحكومة بمنح النواب امتيازات جديدة سواء على مستوى الإعفاءات الجمركية والضريبية، أو على مستوى تحسين الرواتب، أو على مستوى الأمن وتزويد كل نائب بسلاح شخصي حديث لتمكينه من الدفاع عن نفسه، أو على مستوى رفع درجة الحصانة أثناء فترة فضّ انعقاد المجلس..!

وقال النائب في تصريح لوكالات الأنباء حول الأسباب التي دعته لتقديم هذه المطالب: بأن الهدف من ذلك هو تمكين النائب من القيام بواجبه وهو في قمة الراحة والطمأنينة، وأن مسؤوليات النائب تُحتّم توفير هذه المطالب، لإشعاره بأهميته وبأن الدولة تقدّر دوره في التشريع والرقابة. وأضاف بأن الهدف الأسمى هو تحقيق مثالية العمل البرلماني بما ينعكس بالتالي بالرخاء والسعادة على الشعب بصفة النائب ممثلاً للشعب..!!

وفي مرحلة لاحقة من بطولات هذا النائب، بعث برسالة خاصة إلى رئيس الوزراء التمس منه فيها حفظ ماء وجهه ومساعدته على تعيين مائة شاب وشابة من أبناء منطقته لكي يسترد بعضاً مما فقده من ثقة، ولكي يفي بجزء من وعوده لهم بحل مشكلة البطالة المتفاقمة بين أبناء منظقته الانتخابية..ّ وردّ عليه الرئيس في قصاصة: ولكنهم خريجون جدد، وتعيينهم يعني الاعتداء على حق آخرين لهم الأولوية...!؟ فرد عليه النائب ولكنها الضرورة يا دولة الرئيس، عندها قام الرئيس بإرسال الورقة إلى الرئيس العام لمصلحة التوظيف، وأمره بأن ينظر فوراً في الأمر..!

أما البطولة الأهم لهذا النائب فتجلّت عندما اندلع الحراك الشعبي في أرجاء البلاد للمطالبة بوقف مسلسل رفع الأسعار ومحاسبة الفاسدين وسماسرة الخصخصة، حيث وقف ذلك النائب تحت القبة مُعدّداً مناقب الخصخصة وفوائدها العظيمة على المجتمع والناس، وطالب كل منْ لديه أي دليل على فساد أو قصّة فساد أو اسم فاسد أن يقدّم له ذلك لكي يقوم بدوره بإيصال الموضوع إلى الجهات المعنية في الدولة، من أجل أن يُعاقب الفاسدون ونريح المجتمع منهم ومن شرورهم..!!

ويزداد الفقر في المجتمع، وتسوء حالة الناس وتتراجع معيشتهم، وتسكن الحراكات الشعبية على مضض، ويتوارى الأحرار النزاه، وتظهر رؤوس الحيتان وتتقلّب ذات اليمين وذات الشمال، فيما الكثيرون في غفلة، وفيما القبّة تعاني من ارتداد الصوت.. وتزداد الأمور سوءاً، أما المراقب العام، فيرقب المشهد عن كثب ودون تثريب أو تغريب أو تقريب.. ولبطولة هذا النائب المنشقّ سبق..!!!   

Subaihi_99@yahoo.com



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد