الألعاب الالومبية في بلاد الشركس - د. أيّوب أبو ديّة

الألعاب الالومبية في بلاد الشركس - د. أيّوب أبو ديّة

18-02-2014 10:49 AM

    هل هي مصادفة أن تقام الألعاب الألومبية الشتوية في سوتشي هذا العام؟ وما هي مشاعر الشركس الذين يعتبرون تلك الأراضي مواطنهم الأصلية؟ وما هو علاقة ذلك كله بالرئيس بوتن، وكذلك فيما يحدث اليوم في سوريا ومصر؟

    يعود تاريخ الشراكسة إلى عمق التاريخ في الأراضي الواقعة على البحر الأسود حيث تقام الألعاب الألومبية الروسية اليوم، حيث تشير مخطوطات قديمة إلى مشاركة الشركس في الألعاب الألومبية الأغريقية مئات السنين قبل الميلاد. ولكن عام 1897 شهد انتهاء الحرب مع روسيا القيصرية والتي امتدت نحو 130 عاماً بفناء وترحيل نحو 90% من عدد السكان الشركس في روسيا البالغ آنذاك نحو مليوني نسمة.

    في منطقة سوتشي حيث تجري الألعاب الأولمبية أحرقت القرى الشركسية كلها بطريقة ممنهجة ودمرت المحاصيل الزراعية وتم ترحيل "سكان الجبال" الذين اعلنوا الولاء للقيصر إلى مناطق سهلية في الشمال فيما تم ترحيل من ظل مصراً على عناده إلى تركيا أو اجبروا على الهجرة إلى ديار أخرى. كان الاسم الشركسي Shapsegh يشير إلى الأراضي في منطقة سوتشي اليوم، وربما يكون اسم طلعة الشابسوغ في عمّان اليوم يعود إلى ذلك الاسم دليلاً حياً على حجم الكارثة.

    وفي ظل عودة القيصرية الروسية في عهد بوتن الأول ،ومن ثم "بوتن الثاني" الذي تبعه في ولاية جديدة، هل نستطيع القول إن التركيز على سوتشي مرتبط بالشعور الامبريالي للدولة الروسية الجديدة؟ بمعنى آخر، هل هو شعور مماثل لاصرار الكيان الصهيوني مثلاً على نقل سفارات الدول إلى القدس لترسيخ حلمه بأنها عاصمة أبدية "لإسرائيل"؟ أو ربما يماثل إقامة حدث رياضي عالمي في منطقة "دير ياسين" مثلاً؟ وهل اختيار بوتن رجل عام 2013 في مجلة فوربز العالمية، بوصفه الأقوى نفوذاً في العالم، له مكان في تفسير سياسة روسيا اليوم؟ وهل إثبات عظمة روسيا القيصرية في الماضي بإبادة الشعوب يعطيها الحق بإبادة الشعب السوري أيضاً بطريقة ممنهجة كما يحدث اليوم؟

    لا شك في أن الروس يسعون إلى دخول جيوب الناس بدلاً من قلوبهم، ولاشك أن مصالحهم فوق كل اعتبار؛ فكما أبادوا وهجروا 90% من الشعب الشركسي فقد أثبتوا أنهم قادرون على تهجير نصف الشعب السوري داخل وطنه وخارجه، وأنهم قادرون على تفكيك دولة مثل أوكرانيا وعلى اختراق الدول المتماسكة نسبياً عبر صفقات الأسلحة كما حدث مع الهند ويحدث اليوم مع السيسي في زيارته لموسكو؛ وكذلك فإن الروس قادرون على شراء الذمم كما فعلوا في مشاريعهم النووية مع بنغلاديش وبلغاريا وغيرهما.

ومهما يكن من أمر، فإن روسيا غدت دولة إمبريالية تسعى إلى ترسيخ استثماراتها في العالم لعقود قادمة، وعبر هذه الأذرع التكنولوجية والمالية الطويلة الأجل تستطيع التحكم في سياسات الدول المختلفة وترويج الأسلحة المتنوعة وإثارة الحروب والنعرات الطائفية والمذهبية والاثنية. فما هو أهم الأبواب الذي بات يدخل منه الروس إلى العالم بعد أن فقدوا هيمنتهم العسكرية في العالم إثر انهيار الاتحاد السوفياتي؟

    الصناعة النووية باتت أهم هذه الأبواب الشريرة، فقد شرعت روسيا في تصدير صناعتها النووية بزخم كبير منذ عام 2008 عندما أصبحت الصناعة النووية ملكاً للدولة الروسية وبات الرئيس نفسه يسوق المشاريع النووية في العالم إلى جانب الأسلحة، كما حدث في الهند عندما وقع الرئيس بوتن اتفاقية بناء مفاعلين نووين ووقع معها اتفاقية بيع طائرات ميج 29 وأسلحة أخرى. علماً بأن الصناعة النووية الروسية شهدت أضخم كارثتين في العالم في جبال الأورال عام 1957 وفي تشرنوبل عام 1986.

وبالرغم من ذلك فقد استطاع الروس تسويق صناعتهم النووية في سوريا والعراق وإيران وتركيا وبلغاريا والهند والصين وباكستان وبنغلاديش والأرجنتين وغيرها من الدول، كذلك فتحت صناديقها الاستثمارية لمد تلك الدول بقروض طويلة الأجل، كان آخرها قرضاً لبنغلاديش هذا العام بقيمة ملياري دولار كي يشرعوا في دراسات الموقع لمفاعليهما النوويين المقترحين على الضفة الشرقية من نهر مابادما عند موقع يبعد 160 كيلومتراً عن العاصمة دكا.

    أما التجربة البلغارية في مفاعل بيلين الواقع على نهر الدانوب فتحاكي مستقبل المشاريع النووية الروسية في العالم حيث انسحبت الشركة الألمانية الممولة للمشروع بسبب تأخر المشروع وتضاعف تكلفته المبدئية، وأخيراً صدر قرار من البرلمان البلغاري بأغلبية 114 إلى 40 صوتاً لوقف المشروع تماماً والخروج من فكرة الطاقة النووية.

والتجربة الصينية في مفاعل تيانوان مفزعة حيث اكتشفت آلاف قطع الغيار الروسية دون المستوى على نمط إصدار شهادات منشأ مزورة لقطع غيار في كوريا الجنوبية، وقد ترافقت الاتفاقية الصينية مع اتفاقية روسية صينية لبيع الغاز الروسي الذي تحلم به الصين منذ زمن.

    فهل تجربة الألعاب الألومبية في سوتشي هي من باب التحدي لمشاعر الإنسانية والخيلاء بماضي روسيا القيصري الدموي والاعلان عن انطلاقة غزوها للعالم عبر التكنولوجيا النووية؟



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الأردن يقترب من إنتاج 500 طن سنوياً من الكعكة الصفراء

مصر والجزائر… حين يصبح الحلم ممكنا

كرة القدم: حين يصبح الملعب وطناً للعرب جميعاً

استراتيجية تركيا الجديدة في الشرق الأوسط

الأردن يرسل موادا طبية ولوجستية إلى الضفة الغربية

وفاة طفل غرقا في أحد الشاليهات بمحافظة جرش

عبدالله نصيب ضمن أفضل 10 لاعبين في اعتراض الكرات بمونديال 2026

آلية اختيار أفضل 8 منتخبات من أصحاب المركز الثالث في كأس العالم 2026

منتخب قطر غادر منافسات كأس العالم 2026 بعد خسارته أمام البوسنة

سويسرا تهزم كندا 2-1 وتتصدر مجموعتها في مونديال 2026

الأردنيّة تستحدث الدّبلوم العالي في الرّعاية الصّحّيّة الأوّليّة

عاشوراء في واقعنا العربي: تأملات في التحرر من شرك الانقسامات

ترمب: أوروبا لم تدعمنا في حرب إيران رغم سحقنا لها في الأسبوع الأول

الأمين العام للنيتو: 5 آلاف طائرة أمريكية انطلقت من أوروبا خلال الحرب

اختتام اليوم الثاني من الجولة الخامسة للمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية

تنويه للمواطنين .. توقف مؤقت لضخ المياه بهذه المناطق

تحديد هوية الشاب المتوفي في تدافع مباراة الأردن والجزائر .. صورة

انخفاض كبير على أسعار الذهب محلياً الخميس

موظفة بالسياحة تتهجم على مكتب الوزير .. التفاصيل

على نفقته الخاصة .. الملك  يوجه دعوة خاصة لسيدة أردنية لزيارة المملكة

هبوط بأسعار الذهب محلياً اليوم

المدرج الروماني يفتح أبوابه للجماهير لمتابعة مباراة النشامى والجزائر

الزراعة: شحنة عجول كولومبية عابرة للعراق وليست للسوق الأردنية

تنفيذ الإعدام تباعاً بحق محكومين في السجون الأردنية

فرصة للمقبلين على الزواج .. هبوط أسعار الذهب محلياً اليوم

نداء للتعرف على هوية المتوفى بتدافع مباراة النشامى

وظائف حكومية شاغرة ومدعوون لاستكمال إجراءات التعيين .. تفاصيل

الإدارية النيابية تبحث مع الأحزاب مسودة مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026

لفتة للنشامى نالت إعجاب الجماهير العربية والجزائرية .. صورة

موعد التقديم للعمل على حساب التعليم الإضافي بالتربية